التي ربما تخدش في الحقيقة المذكورة، تدعونا إلى استعراض نماذج من أقوالهم وآرائهم التفصيلية في هذا الصدد، وذلك بعد أن نمهد أولًا بوقفة موجزة عن المفهوم الكلامي للقرآن مقارنة بالمفهوم الأصولي، مع تحديد الاستعمال الذي سوف نسير عليه في هذه الدراسة.
تحرير الفرق بين المفهوم الكلامي والأصولي للقرآن الكريم
تناول القرآنَ بالتعريف الاصطلاحي كثيرٌ من أصحاب التخصصات العلمية المختلفة، فتعرض له المشتغلون بـ «علوم القرآن» ؛ لأنه موضوع علمهم، ومادة بحثهم الرئيسية، واعتنى به علماء «أصول الفقه» ؛ لأنه أول وأهم الأدلة التي تستنبط منها الأحكام العملية التفصيلية، واهتم به علماء العقيدة والمتكلمون باعتباره أحد المصادر الأساسية التي تؤخذ منها المسائل العقدية، كما أن الخلاف حول القرآن: هل هو مخلوق أو غير مخلوق؟ كان مثارًا لنزاع طويل، ومتشعب الجذور بين أهل السُّنَّة، والمعتزلة، والأشاعرة.
ويركز المتكلمون في نظرتهم إلى القرآن على كونه دليلًا على إحدى صفات الله؛ وهي صفة الكلام، ونتيجة لتأثر الأشاعرة الواضح بنظريتهم المشهورة في التفرقة بين الكلام النفسي القديم، والذي يعدُّونه صفة قائمة بذات الله، ليست بصوت ولا بحرف، وبين الألفاظ الحادثة المعبِّرة عن تلك الصفة، فقد جاء تعريفهم منصبًّا على الجانب القديم من الكلام، فَعَرَّفوا القرآن بأنه «الصفة القديمة المتعلقة بالكلمات الحكمية، من أول الفاتحة إلى آخر سورة الناس» (150) .
وعَرَّفه الغزالي -طبقًا لهذا المفهوم- بأنه «الكلام القائم بذات الله تعالى، وهو صفة قديمة من صفاته» (151) .
ولا يخفى أن مثل هذين التعريفين، وما ورد على غرارهما، لا تفيد كثيرًا من يريد البحث في لغة القرآن وبلاغته، والتعرف على ما فيه من الأحكام والآداب، أو من يبحث في القرآن كدليل على المسائل العقدية، وهو في جميع تلك الأحوال إنما يتعامل مع ألفاظ ذات حروف تدل على معانٍ مفهومة، ولا علاقة له بالكلام النفسي، ومن ثَمَّ لجأ علماء أصول الفقه -حتى من الأشاعرة أنفسهم- إلى منحًى آخر في التعريف أكثر جدوى (152) ، فعَرَّفُوا القرآن بأنه «ما نُقل إلينا بين دفتي المصحف على الأحرف السبعة المشهورة نقلًا متواترًا» أو هو «الكلام المنزَّل للإعجاز بسورة منه» (153) .