فهرس الكتاب

الصفحة 195 من 584

واختلفت النقول عن الباقلاني في هذا الموضوع؛ فحكى عنه أبو منصور البغدادي ما يشابه رأي الأشعري؛ حيث يرى صحة الاحتجاج بالإجماع في كل المسائل، شرعية كانت أو عقلية (1115) ، ولكن الزركشي يعزو إليه قولًا آخر يوافق فيه المعتزلة ومتأخري الأشاعرة المفرقين بين المسائل التي يجوز الاستدلال بالإجماع عليها وما ليس كذلك تبعًا لفكرة الدور (1116) ، ولم أستطع الوقوف على نص واضح للباقلاني نفسه في كتابيه الكلاميين «التمهيد» و «الإنصاف» يرجح فيه أحد الرأيين، وإن كان من الناحية العملية يستشهد بالإجماع في مواضع عدة من «الإنصاف» (1117) ، الذي يتسم بحرص أكثر على الاعتداد بالأدلة النقلية من «التمهيد» ، بيد أن كل تلك الإجماعات تتعلق بالمسائل العقدية الفرعية وليس الأصول الكبار.

الاتجاه الثاني

ويرى عدم جواز الاستدلال بالإجماع على المسائل العقدية التي لا تثبت إلَّا عقلًا، ويسميها المتكلمون بالعقليات، سواء توقف الإجماع على ثبوتها أو لم يتوقف، وعمدتهم في ذلك أن العلم بهذه المسائل لا يستفاد إلَّا من طريق العقل، وما دل عليه لا يحتاج معه إلى دليل آخر من إجماع أو غيره؛ إذ إن دلالة العقل قطعية لا يعضدها وفاق ولا يعارضها شقاق، فلا أثر للإجماع فيها (1118) .

وقد عبَّر الجويني عن هذا الاتجاه بوضوح حينما قال: «فأما ما ينعقد الإجماع فيه حجة ودلالة فالسمعيات، ولا أثر للوفاق في المعقولات، فإن المتبع في العقليات الأدلة القاطعة، فإذا انتصبت لم يعارضها شقاق، ولم يعضدها وفاق» (1119) ، وعزا أبو منصور البغدادي هذا الرأي إلى أكثر الأشاعرة (1120) ، وصرح أحدهم -وهو الأصفهاني- بأن الإجماع يُستعمل في علم الكلام لا لإفادة العلم بل لإلزام الخصم وإفحامه (1121) .

ولنا أن نتساءل في ضوء ما اعتمد عليه أصحاب هذا الاتجاه: أليست الأدلة العقلية -كغيرها من الأدلة- متفاوتة شدةً وضعفًا، وقطعية وظنية؟ وإذا كانت قطعية فلماذا لا يعضدها الإجماع أو ما سواه من النقليات ويزيدها قوة، ويوثق من طمأنينة النفس إليها؟ وإن كانت ظنية أفلا تصير بالإجماع قطعية أو قريبة من القطعية، وتوارد الأدلة على أمر ما يُضفي عليه متانة واستيثاقًا؟ (1122)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت