فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 584

فكيف يقال بعد ذلك: إن أدلة العقل لا يعارضها شقاق ولا يعضدها وفاق؟ ثم إن الإجماع لا يخلو من عمل العقل واستدلاله، وفهم النص واستنباط الحكم منه، وهو ليس عقلًا مفردًا؛ بل مجموع عقول المجمعين، وهم كثرة، فلماذا يُصور وكأنه نقل محض لا فائدة منه ولا طائل وراءه، لا سيما وأن جمهور المعتزلة والأشاعرة على أن الإجماع دليل قطعي؟

ولعله مما لا يخلو من غرابة أن يكون أولئك النفر من الأشاعرة قد خطوا -بمذهبهم هذا- خطوة أبعد مما قال به خصومهم من المعتزلة، الذين جوَّزوا الاحتجاج بالإجماع فيما لا يلزم منه الوقوع في الدور، بينما لا مكان عند هؤلاء الأشاعرة للاحتجاج بالإجماع مطلقًا في العقليات بأسرها، كما لا يخفى مخالفتهم الواضحة لشيخ المذهب أبي الحسن، الذي يعد رأيه على النقيض تمامًا مما قالوا به.

وجدير بالذكر أن الجويني لم يَثْبُتْ على موقفه الذي ذكرناه آنفًا، وكثيرًا ما استدل بالإجماع في مواضع كثيرة من كتبه الكلامية (1123) ، مثلما استدل به على إثبات عموم مشيئة الله، وعلى استحالة اتصاف الباري بالآفات المضادة للسمع والبصر، وجعل الالتجاء في تقرير ذلك إلى السمع؛ حيث أجمعت الأمة، وكل مؤمن بالله تعالى، على تقديس الباري عن الآفات والنقائص (1124) ، كما أنه مال في كتابه «التلخيص» إلى ما قال به الاتجاه المفرق بين مسائل وأخرى (1125) ، وهو الاتجاه القادم.

الاتجاه الثالث

ويتفق أصحابه في الرأي مع المعتزلة؛ إذ يُفرِّقون -تبعًا لفكرة الدور- بين ما يتوقف ثبوت الإجماع عليه؛ كإثبات الصانع للعالم، ومعرفة الله وتوحيده، ووصفه بالكلام، وثبوت النبوة، وصدق الرسول، وكل ذلك لا يجوز الاحتجاج على ثبوته بالإجماع، وبين ما لا يتوقف الإجماع عليه؛ فيصح الاستدلال به على تقريره.

وقد نصَّ كثير من الأشاعرة على هذا القول، ونُسب إلى الباقلاني، والشيرازي (1126) ، واختاره الرازي (1127) ، والآمدي (1128) ، والزركشي (1129) ، والسبكي (1130) ، والأرموي (1131) ، والإيجي (1132) ، وغيرهم (1133) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت