فهرس الكتاب

الصفحة 197 من 584

ومنع بعض الحنفية (1134) من الاستدلال بالإجماع في الأمور المستقبلية كأشراط الساعة، وأحوال الآخرة، محتجين بأنها غيب ولا مدخل للاجتهاد والرأي في مسائل الغيب؛ بل هي مقصورة على الأدلة النقلية فحسب، ولا أدري كيف خفي عليهم أن الإجماع كما يكون عن اجتهاد وإعمال للرأي، واستنباط للأحكام من النصوص، فإنه يقع تارة أخرى على موجب النص وحده دونما رأي أو قياس، وهذا هو الحال في سائر مسائل العقيدة، فليس للإجماع دور في إنشائها أو تأسيسها، وإنما في الوقوف على النصوص النقلية والوصول بها إلى مرتبة المقطوع به ثبوتًا ودلالةً (1135) .

وفي نهاية عرضنا للاتجاهات المتقدمة لن نطيل في مناقشة الرأي السائد عند متكلمي المعتزلة والأشاعرة في نظرتهم للإجماع، والذي يفرق بين نوعين من المسائل؛ وذلك لابتنائه على فكرة الدور، التي سوف نفرد لنقدها مبحثًا مستقلًّا -إن شاء الله تعالى- ويبقى القول بأن الإجماع على المسائل العقدية أيسر انعقادًا وأسهل وقوعًا -فيما يبدو- من الإجماع على المسائل الفقهية؛ إذ الوقوف على الأدلة والاطلاع عليها في هذا النوع يفوق ما سواه؛ نظرًا لتتابعها، ووضوح ألفاظها، وتضافر نصوص الكتاب والسُّنَّة في التأكيد عليها.

ومن جهة أخرى، فإن الحاجة إلى الإجماع أشد في مسائل العقيدة؛ لما تحتاج إليه من يقينية وقطعية، واتفاق كلمة المسلمين جميعًا عليها دون أدنى خلاف أو شقاق من أحد منهم، ومن هنا يبرز دور الإجماع الذي يعضد النصوص ويقويها، ويدفع احتمال الخطأ في الفهم أو التشكيك في الثبوت الذي ربما تطرق للظني منها، فيرتفع -بفضل الإجماع من علماء الأمة- إلى مقام القطعيات، ويغلق الباب أمام النزاع وتعدد الأقوال والآراء، وهذا بعينه هو المطلوب في أصول العقيدة وقضاياها.

مقارنة بين الموقفين: الاعتزالي والأشعري

وبعد العرض المفصل لموقف كلا المذهبين من حجية الإجماع، وإمكانية الاستدلال به على المسائل العقدية، نحاول أن نلخص في نقاط محددة أبرز وجوه الاتفاق والاختلاف بينهما في هذا الموضوع:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت