فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 584

المعروفين بملازمته، والموصوفين بالصدق والأمانة، أو حكاه من يشاركه في الرأي والنحلة، أو نُقل عنه بإسناد صحيح، جامع لشروط القبول، ولا احتمال فيه لتهمة، أو مجال لتزيد الخصوم، وتجنياتهم.

وقد حاول كثير من أهل العلم التنظير لهذا الضابط، وإن كان التطبيق العملي قد شابه نوع من القصور والنقص، الناتج عن العصبية المذهبية، التي شوهت نقل آراء الخصوم ومذاهبهم، وأضافت إليهم أقوالًا لم يقولوا بها، تصريحًا أو تلميحًا، وفي رد الخياط على ابن الراوندي في بعض ما اتهم به الجاحظ أشار إلى «أن قول الرجل إنما يُعرف بحكاية أصحابه عنه، أو بكتبه، فإن كتب عمرو الجاحظ معروفة مشهورة في أيدي الناس» (394) وفي نفس المعنى نبه أبو الحسين البصري إلى أن مذهب الإنسان هو اعتقاده، فمتى ظننا اعتقاده الشيء، أو علمناه ضرورة، أو بدليل مجمل أو مفصل، قلنا إنه مذهبه، ومتى لم نظن ذلك لم نقل إنه مذهبه (395) وطريق المعرفة بذلك إما أن ينص صاحبه عليه، أو يذكره في تصنيفه، أو يُنقل عنه برواية الثقات (396) .

وفي لفتة مهمة إلى أثر الناحية النفسية في حكاية مذاهب الخصوم؛ والتي ربما أدت إلى تشويه الحقائق، مع الإقرار بثقة الناقل وعدالته، يؤكد ابن تيميَّة عدم جواز التصرف في حكاية الأقوال، ووجوب إيرادها بنفس الألفاظ؛ لأن التصرف في ذلك قد يَدْخلُه خروجٌ عن الصدق والعدل؛ إما عمدًا وإما خطأ، والإنسان ربما لم يتعمد الكذب أو الكتمان؛ لكن كراهية قول الخصم، ومعاداته تدعوه إلى عدم صوغ أدلته على الوجه الحسن (397) .

ونستطيع أن نستخلص مما سبق، أن نسبة قول أو رأي إلى أي فرد من أئمة المعتزلة والأشاعرة أو غيرهم من الفِرق، تستلزم تحقق واحد من الأمور الآتية:

(أ) ذكره في كتب القوم أنفسهم، مصرحين باعتناقه، وقبوله.

(ب) حكايته من قبل أصحاب المذهب، ومنتحليه.

(جـ) نقل الثقات المعروفين بالإنصاف والعدل في معاملة الخصوم؛ بشرط أن يتواءم مع المعروف عن المذهب، وهذا المصدر بالذات يجب أن يُلتزم فيه جانب الحيطة والحذر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت