فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 584

ثانيًا: من المشاكل الرئيسية التي تواجه الناظر في أقوال المذاهب المختلفة، ضياع كثير من تراثهم الفكري، مما يجعل التحقق من صحة الآراء المنسوبة إليهم أمرًا ليس باليسير، وجُلُّ الفرق الكلامية كان لها نصيب من تلك المشكلة -ومن بينهما المعتزلة- وقد سبب ذلك إفساح المجال لانتشار العديد من التهم حول المذهب، ويصعب على الباحث في أحيان كثيرة التأكد من مدى صحتها.

وأسباب ضياع التراث الاعتزالي كثيرة ومتنوعة؛ منها ما يشتركون فيه مع سائر الاتجاهات الأخرى؛ كتأثير مرور الزمن على إتلاف الكتب وفقدها، ثم المحن والمصائب المتوالية التي مرت بها الأمة على مدار تاريخها الطويل؛ كسقوط بغداد في أيدي التتار، والحروب الصليبية وغيرها، مما أدى إلى فقدان ملايين الكتب حتى صار من العسير أن نقف على المؤلفات الكاملة لأحد أعلام الأمة المكثرين في التأليف؛ محدثين كانوا، أو فقهاء، أو نحاة، أو غير ذلك من التخصصات؛ بل إن الأئمة الكبار الذين رُزقوا من القبول، وكثرة التلاميذ والأتباع الشيء الكثير أمثال أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، والبخاري، والطبري، فُقد من كتبهم ما لعله يربو بكثير على ما وصل إلينا، مع توافر الدواعي، واشتداد العناية بنقل تلك الكتب وتداولها.

والحال نفسه مع المعتزلة؛ حيث تكفي إطلالة سريعة على تراجمهم، وما ذُكر فيها من كتب لإعطاء فكرة قريبة عن حجم ما فُقد من تراثهم، وربما كان الجاحظ والقاضي عبد الجبار، والزمخشري أحسن المعتزلة حظًّا في عدد مؤلفاتهم التي وصلت إلينا، رغم أنها لا تمثل سوى نسبة لا تُذكر من عدد المؤلفات التي نُسبت إليهم (398) ، وهذا كله فضلًا عمن لم يصل إلينا مؤلفات لهم على الإطلاق من أئمة الاعتزال؛ كواصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، وأبي الهذيل العلاف، والنظَّام، وغيرهم الكثير (399) .

وثمة عوامل أخرى ينفرد بها المعتزلة؛ منها طبيعة كتبهم ذات الجفاف العقلي، والتي لا تستحوذ على اهتمام الأكثرية، فلا يسعى لتحصيلها سوى قلة من المتخصصين، مما يهيئ المجال لفقدها، كما أن ما تشتمل عليه من أقوال تبدو في نظر الآخرين شاذة، ومخالفة لعقيدة أهل السُّنَّة تدفع للتخلص منها وإتلافها بوازع داخلي من عامة الناس، أو بإيعاز من أهل العلم تحذيرًا للعامة، وصيانةً لعقائدهم من التشويش، وأخيرًا ما يحتمل من أوامر الدولة بالتخلص من تلك الكتب،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت