في حملات مصادرة -كما يحدث في عصرنا- يرتئي القائمون على مقاليد الأمور -بحق أو بباطل- أن تلك الكتب تضر بمصلحتهم، أو بالصالح العام.
والمقصود من ذكر ما تقدم؛ أن فقد أكثر تراث المعتزلة كان أمرًا تضافرت العديد من الأسباب والملابسات على حصوله، ولم يكن كما يزعم بعض أصحاب النزعات المادية، مؤامرة اشتركت فيها عدة تيارات فكرية وسياسية محافظة، تآلبت على الفكر الاعتزالي بالعداء الصارخ، الذي ظهر بأشكال مختلفة، كان أشدها عملية طمس وثائقه، ومصادره الأصلية بصورة كلية وشاملة (400) ، أو كما يزعم المستشرق «أرنولد» من أن «ثورة أهل السُّنَّة على المعتزلة، بلغت من النجاح في إتلاف كل مؤلفات هذه الفرقة حدًّا يجعل المؤرخ مضطرًّا حتى الآن إلى الرجوع في معرفة تاريخهم ومذاهبهم إلى مؤلفات قوم نظروا إليهم كما ينظرون إلى الزنادقة، وكتبوا لذلك عنهم بروح التعصب» (401) .
والذي يدعو لرفض التفسير المتقدم أنه يتغافل عن حقيقة مهمة؛ وهي مشاركة غير المعتزلة لما أصاب المعتزلة من ضياع أكثرية تراثهم، وعلى سبيل المثال: فإن أبا الحسن الأشعري خصم المعتزلة اللدود، ذكر ابن عساكر (402) أسماء عشرات الكتب من مصنفاته، ولم يصل إلينا منها سوى «المقالات» ، و «الإبانة» ، و «اللمع» ، و «رسالة أهل الثغر» ، و «استحسان الخوض في علم الكلام» ، وفُقد سائرها، فهل لنا أن نقول بنفس المنطق السابق: إن مؤامرة اعتزالية مدبرة، قد عمدت لإحراق كتبه، وإتلافها؟!
نعم لا يُنكَر أن الإحراق والإتلاف طال عددًا من كتب المعتزلة؛ لكنه لم يكن السبب الوحيد في ضياعها، ثم إن كتابًا كـ «الكشاف» للزمخشري، يُعتبر أبلغ شاهد على زعزعة تلك المقولات، فهذا التفسير مع أنه مليء بالأفكار الاعتزالية فقد اهتم به الكثيرون، وعُنُوا بدراسته والتأليف على غراره (403) ، وحينما أرادوا أن يردوا على ما فيه من اعتزاليات ألفوا كتبًا ورسائل (404) ، ولم يكن موقفهم موقف العاجز قليل الحيلة الذي لا يستطيع المناظرة والحجاج فيلجأ للإحراق والإتلاف، وعلى أية حال فقد أدى ضياع أكثر التراث الاعتزالي إلى العديد من المشاكل المتعلقة بتحقيق رأي المذهب في كثير من القضايا الشائكة، كما جعل عددًا من آرائهم ليس لها من مصدر سوى ما تناقله الخصوم في كتبهم، وإن كان الأمر قد تحسن بعض الشيء