فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 584

في الحقبة الأخيرة، بظهور كتبٍ عدة للقاضي عبد الجبار أبرزُها: «المغني» ، و «شرح الأصول الخمسة» ، و «تثبيت دلائل النبوة» ، و «متشابه القرآن» ، وغيرها.

أما الأشاعرة فإنهم أحسن حالًا من المعتزلة، فالكتابات التي بين أيدينا قادرة في مجملها على تمثيل صورة واضحة لآراء المذهب، وأهم اتجاهاته، وإن كانت بعض مراحل تطور المذهب تشكو من قلة في المصادر الموجودة بها؛ مثل: المدرسة الكلابية، التي كان لها تأثير كبير على أبي الحسن، ثم مرحلة تلامذته الأوائل قبل الباقلاني، والتي يندر وجود كتب لأصحابها (405) .

ثالثًا: وكنتيجة طبيعية للأمر السابق -وهو ضياع أكثر التراث الاعتزالي- فإن من الإنصاف أن نذكر ما شاب حكاية أقوالهم من آثار العصبية المذهبية؛ التي أدت إلى أمرين خطيرين:

الأول: نسبة أقوال إليهم لم يقولوا بها أصلًا؛ بل هي من افتراءات الخصوم، ولا سيما ابن الراوندي في كتابه «فضيحة المعتزلة» (406) ، كما يعد عبد القاهر البغدادي من أبرز الأمثلة على ذلك باعتراف الأشاعرة أنفسهم، ومن يوافقهم الرأي من المتأخرين، فقد غمز الرازي أبا منصور بالتعصب والقسوة، وأبا الفتح الشهرستاني السائر وراءه بذلك أيضًا، ولكن الثاني ألطف لهجة بكثير (407) .

الآخر: إلزامهم بما لم يصرحوا به؛ وإنما هو لازم أقوالهم، وما تئول إليه في نهايتها، فكثير مما ذكره مؤرخو الفرق ثابت في جملته؛ لكنهم وقفوا أحيانًا عند عبارات لها بقية وتكملة، أو فيها شطط أنكره رجال المذهب أنفسهم، أو خرجت مخرج الجدل والمناظرة، لا على سبيل الاعتقاد (408) ، وقد أشار إلى هذه الحقيقة المهمة رجال المعتزلة أنفسهم، وبينوا أن بعض المقالات الشاذة الصادرة عن أئمة المذهب لم تكن على سبيل الاعتقاد، وصحيح أن هذا ليس عذرًا لهم فيما تفوهوا به من عبارات شديدة؛ ولكنه إشارة إلى أن هذا ليس مذهبهم على الحقيقة.

ومن ذلك أن أبا الحسين الخياط في سياق دفاعه عن أبي الهذيل العلاف (ت 235 هـ) يقول: «ومن بعد، فإن أبا الهذيل رحمه الله قد تاب من الكلام في هذا الباب عند ظن الناس به أنه يعتقده، وأخبر أنه كان يناظر فيه على البور والنظر، أخبر بذلك عنه جماعة ثقات، لا يُتهمون في أخبارهم، فليس يحل لأحد قرفه به» (409) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت