وفي نفس المعنى حكى القاضي عبد الجبار اعتذار شيخه أبي هاشم الجبائي عن بعض الآراء التي صرح بها، فقال: «وقد قال شيخنا أبو هاشم رحمه الله معتذرًا عن هذه المقالة التي حكاها عن أبي علي رحمه الله: إنما ذكر ذلك على طريق البور، لا على سبيل الاعتقاد؛ لما رأى فساده واضحًا» (410) .
وعمومًا، فإن مؤاخذة الخصوم بلازم أقوالهم ظاهرة شاعت عند جميع الفرق الكلامية، وكثيرًا ما استخدمها المعتزلة أنفسهم في حكاية مذاهب أهل السُّنَّة أو الأشاعرة، ثم اكتووا بعد ذلك بنارها، ولخطورة تلك الظاهرة فقد تتابعت نصوص أهل العلم من سائر الاتجاهات في التحذير مما يترتب على القول بها، ولا سيما إذا وصلت إلى درجة التكفير، وكلهم ينص على أن لازم المذهب ليس بمذهب، وأن المرء إنما يؤاخذ بصريح أقواله، وما اعترف بقبوله والتزامه، لا ما أنكره وتبرأ من نسبته إليه (411) .
رابعًا: وأخيرًا، فإن المعتزلة كفرقة كلامية لا يتفقون إلَّا على أصولهم الخمسة، وأما ما سواها من المسائل فالنزاع بينهم على أشده؛ ومن ذلك الخلاف بين الفرعين البغدادي والبصري، وقد أفرد له أبو رشيد النيسابوري (ت 450 هـ) رسالة كاملة أسماها «مسائل الخلاف بين البغداديين والبصريين» ، وأوصل الملطي عدد المسائل المختلَف عليها بينهم إلى أكثر من ألف مسألة (412) ، واعترف الحاكم الجشمي المعتزلي بأن الخلاف بين الشيخين -أي: أبي علي وأبي هاشم الجبائيين- وبين البصرية والبغدادية يزيد على الخلاف بينهم وبين سائر المخالفين (413) . وللقاضي عبد الجبار رسالة حول هذا الموضوع أسماها «الخلاف بين الشيخين» (414) .
والحديث عن الخلاف الداخلي بين المعتزلة طويل الذيل (415) ، ولعله ليس بمستغرب؛ بل هو نتيجة حتمية لإطلاق العِنَانِ للعقل ليجول في ميادين تفوق مجال إدراكه، ويصعب عليه الوصول إلى نتائج حاسمة بشأنها، ثم انعدام المرجعية المتفق عليها؛ والتي يمكن أن تحسم النزاع، وبدونها يتسلسل الخلاف إلى حدود يصعب إيقافه عندها، وما يهمنا هنا: هو أن الخلاف المذكور كان من العوامل التي جعلت تعميم مقالة ذهب إليها بعض المعتزلة على المذهب ككل أمرًا بالغ الصعوبة إلَّا إذا ثبت أنه من مواضع الاتفاق بينهم.