فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 584

ويلاحظ أن المذهب الأشعري قد نجا -في الجملة- من كثير مما أصاب المعتزلة؛ نظرًا لوصول جزء كبير من تراثه ومصنفاته، وما تحقق له من شيوع وانتشار في العالم الإسلامي؛ بفعل ظروف وملابسات تاريخية وفكرية معينة، مما أعطى صورة واضحة عن المذهب وأهم آرائه، وسنحاول في ضوء المقدمات والقواعد المنهجية المذكورة، أن نعرض للاتهامات الخطيرة التي ثارت حول موقف المعتزلة والأشاعرة من حجية النص القرآني أو قطعية ثبوتها، مع مناقشتها والحكم عليها.

التهمة الأولى

وقد أُلصقت هذه التهمة بعمرو بن عبيد (144 هـ) أحد مؤسسي المذهب، وأبرز أئمة الاعتزال في طور النشأة؛ حيث نُسب إليه إنكار قرآنية سورة المسد، وقوله تعالى: {ذرني ومن خلقت وحيدا} [المدثر: 11] وقوله: {سأصليه سقر} [المدثر: 26] وزعم أن كل ذلك ليس في اللوح المحفوظ، ولخطورة مثل هذه المقالة نسوق طرفًا من الروايات الواردة بشأنها تفصيلًا:

1 -عن معاذ بن معاذ قال: سمعت عمرو بن عبيد يقول: «إن كانت {تبت يدا أبي لهب} [المسد: 1] في اللوح المحفوظ، فما لله على ابن آدم حجة» (416) .

2 -عن معاذ بن معاذ، قال: «كنت جالسًا عند عمرو بن عبيد، فأتاه رجل يُقال له عثمان أخو السمري، فقال: يا أبا عثمان سمعت والله بالكفر! فقال: لا تعجل بالكفر، وما سمعت؟ قال: سمعت هاشمًا الأوقص يقول: إن {تبت يدا أبي لهب} وقوله: {ذرني ومن خلقت وحيدا} و {سأصليه سقر} إن هذا ليس في أم الكتاب، والله تعالى يقول: {حم * والكتاب المبين * إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعلقون * وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم} [الزخرف: 1 - 4] فما الكفر إلَّا هذا يا أبا عثمان! فسكت عمرو هنية، ثم أقبل علَيَّ، فقال: والله، لو كان القول كما يقول ما كان على أبي لهب من لوم، ولا على الوليد من لوم» (417) .

3 -وفي رواية أخرى ورد فيها تفصيل أكثر؛ أن رجلًا قال لعمرو بن عبيد، وقرأ عنده هذه الآية: {بل هو قرآن مجيد * في لوح محفوظ} [البروج: 21، 22] فقال له: أخبرني عن {تبت يدا أبي لهب} كانت في اللوح المحفوظ؟ فقال: ليس هكذا كانت، قال: فكيف كانت؟ قال: تبت يدا من عمل بمثل ما عمل أبو لهب، قال: فقال له الرجل: هكذا ينبغي أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت