فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 584

نقرأ إذا قمنا إلى الصلاة؟ فغضب عمرو فتركه حتى سكن، ثم قال له: يا أبا عثمان، أخبرني عن {تبت يدا أبي لهب} كانت في اللوح المحفوظ؟ فقال: ليس هكذا كانت، قال: فكيف كانت؟ قال: تبت يدا من عمل بمثل ما عمل أبو لهب، قال: فردد عليه، فقال عمرو: إن علم الله ليس بشيطان، إن علم الله لا يضر ولا ينفع».

وتأخذ المسألة بُعدًا آخر؛ فإلى جانب الأقوال المنقولة عن عمرو تصريحًا، تُحكى عنه منامات يُرى فيها، وهو يحك بعض آيات القرآن؛ فعن ثابت البناني، قال: «رأيت عمرو بن عبيد في المنام وهو يحك آية من المصحف، فقلت: أما تتقي الله، قال: إني أبدل مكانها خيرًا منها» (418) وأقدم من عزا التهمة المذكورة إلى عمرو بن عبيد، الحافظ الفسوي المتوفى (277 هـ) في كتابه «المعرفة والتاريخ» (419) ثم تتابع جمع علي نسبتها لعمرو، وحكايتها في كتبهم التاريخية؛ منهم: الخطيب البغدادي (420) ، والذهبي (421) ، واللالكائي (422) ، والآجري (423) ، وابن حبَّان (424) ، وابن كثير (425) ، وابن حجر (426) ، وإلى مثل ذلك ذهب المستشرق جولد تسيهر (427) ، وبعض الباحثين المعاصرين (428) .

وأما الاتجاه الرافض، أو على الأقل المتجاهل لتلك الروايات، فيظهر من صنيع المؤلفين في الفرق -لا سيما خصوم المعتزلة- والذين عُنُوا بتتبع الشاذ من أقوالهم؛ حيث يبدو أنهم إما لم يقفوا على تلك الروايات، وإما اطلعوا عليها ولم يقبلوها؛ إذ لا نجد لها ذِكْرًا عند ابن حزم في «شنع المعتزلة» من كتابه الفصل (429) ، ولا عند عبد القاهر في «الفَرْق بين الفِرَقِ» ، مع حرصه الشديد على تتبع مخالفاتهم، وتصدير مقالة كل واحد منهم بقوله: «ومن فضائحه ... » ، ويبعد أن تثبت عنده تهمة خطيرة كهذه ولا يثبتها في كتابه، ونفس الأمر عند أبي المظفر الإسفراييني؛ الذي يكاد يتفق مع عبد القاهر حتى في الألفاظ، وكذا الشهرستاني الذي مع إقراره ببدعة عمرو يقول: «وكان عمرو بن عبيد من رواة الحديث، معروفًا بالزهد» (430) وجل المصادر التاريخية التي أرخت لعمرو نصت على أنه كان على درجة كبيرة من الزهد؛ حتى إن الخليفة المنصور كان يفضله على سائر أهل عصره، ورثاه حين مماته بأبيات من الشعر (431) ، مما يجعل بدعته مهما عظمت، لا تصل إلى تلك الهوة السحيقة من إنكار بعض سور القرآن، كما نجد المقبلي يشدد على إنكار مثل هذه الروايات ورفضها (432) .

وفي نهاية العرض المتقدم يمكن أن نخلص من خلاله بما يلي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت