فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 584

1 -إذا استثنينا المنامات جانبًا -لأنها باتفاق أهل العلم ليست دليلًا معتبرًا- فإن عمرًا لم يُصرح بإنكار قرآنية الآيات المذكورة؛ وإنما قال إنها ليست في اللوح المحفوظ؛ حتى تتماشى مع مذهبه في القدر، والقول بالحرية المطلقة للمكلف، وكأنه ظن أن مثل هذه الآيات، التي تدل بظاهر معانيها على كفر أبي لهب والوليد وأمثالهما، إذا كانت ثابتة في اللوح المحفوظ قبل خلق أولئك النفر، ففي ذلك نوع من الجبرية، وانعدام الاختيار لهم؛ إذ كيف يُحكم عليهم بالعذاب والهلاك قبل أن يُمنحوا الفرصة الكاملة للاختيار؟ ولا يخفى أن علم الله سبحانه صفة انكشاف لا صفة تأثير، ولا يستلزم العلم القديم شيئًا من الجبر أو سلب الاختيار، وحرية المكلف تجاه ما يفعله.

2 -والتوجيه السابق إنما هو على فرض ثبوت تلك الروايات عن عمرو بن عبيد، وإلزامه بما فيها من أقوال، وما تقدم من الأسس المنهجية التي قررناها آنفًا يجعل ذلك أمرًا عسيرًا، فلا هو ذكرها في كتبه، ولا نقلها عنه أحد أصحابه أو مشايعيه في المذهب، ثم نصوص المعتزلة المتضافرة في إثبات قطعية النص القرآني جملةً وتفصيلًا تنفي عن المذهب وعن رجاله تلك التهمة، إضافة إلى أن الاحتياط في أمرٍ كهذا لو ثبت عن صاحبه لاقتضى كفره من المسالك المنهجية المهمة، الواجب اتباعها واستصحابها في النظر إلى ما رمى به الخصوم بعضهم بعضًا، والتي استفاضت نصوص علماء أهل السُّنَّة في تأكيدها، والحث عليها.

التهمة الثانية

وقد وُجهت هذه التهمة إلى واصل بن عطاء؛ حيث حُكي عنه تجويز قراءة القرآن بالمعنى (433) ، ومستند ذلك ما رواه ابن شاكر في «عيون التواريخ» (434) ، والذهبي في «تاريخ الإسلام» (435) عن واصل أنه كان يُمتحن في الراء بأشياء، ويتحيل لها، حتى قيل له: اقرأ أول سورة براءة، فقال على البديهة من غير فكر ولا روية: «عهد من الله ونبيه إلى الذين عاهدتم من الفاسقين، فسيحوا في البسيطة هلالين وهلالين» ، وعلَّق الذهبي قائلًا: «وكان يجيز القراءة بالمعنى، وهذه جرأة على كتاب الله العزيز» (436) .

ومن المعلوم أن الأمة مجمعة على المنع من قراءة القرآن بالمعنى، وإذا قيل بجواز ذلك في الحديث بضوابطه المعروفة (437) فلا وجه لقبوله مطلقًا فيما يتعلق بالقرآن، وقد نقل الباقلاني الإجماع على المنع من قراءة القرآن بالمعنى (438) ، وردَّ على الشُّبَه التي أثارها بعض الحاقدين في هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت