فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 584

الباب (439) ، كما شَنَّ ابن الجزري (ت 833 هـ) عَالِم القراءات الشهير حملة شديدة على من جوَّز القراءة بالمعنى، واعتبره ضالًّا ضلالًا بعيدًا (440) .

وأورد الشريف المرتضى (ت 436 هـ) قصةً في نفس المعنى المتقدم؛ مفادها أن رجلًا سأل عمرو بن عبيد عن مسألة في القدر بحضرة واصل، فغضب عمرو وأجاب بجواب لم يُعجب واصلًا، فقال له: «إياك وأجوبة الغضب فإنها مندمة، والشيطان يكون معها، وله في تضاعيفها ثمرة، وقد أوجب الله عز وجل على نبيه أن يستعيذ من همزات الشيطان، وأن يكونوا معه بقوله: {أعوذ بك من همزات الشياطين} إلى خاتمة الآية» .

ثم أشار المرتضى إلى عدول واصل عن أول الآية {وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين} [المؤمنون: 97] والآية التي بعدها {وأعوذ بك رب أن يحضرون} [المؤمنون: 98] والاستعاضة عنها بالمعنى لاشتمالها على حرف الراء، ولولا ذلك لكان ذكرها واجبًا من ابتدائها، ولا سيما وفي ابتدائها تعليم، وتوقيف على كيفية دعائه والاستعاذة به (441) .

وقد شكَّك الدكتور التفتازاني فيما حُكي عن واصل، وأرجعه إلى مطاعن الخصوم وتشنيعاتهم، مرجحًا أن الذهبي نقل تلك الحكاية عن بعض أعداء واصل الذين أرادوا تشويه صورته والإساءة إليه (442) ، وأظن أن المسألة لا تحتاج إلى التشكيك في رواية الذهبي وتضعيفها، فابن شاكر قد نقل نفس الرواية، وابن المرتضى المعتزلي نقل ما يقاربها، وإذا دققنا النظر في مضمون هذه الروايات فمن الصعب أن نخرج من ثناياها بما يفيد تجويزه القراءة بالمعنى، وهو لم يصرح بذلك أو يدعيه.

والمثالان المذكوران مع كونهما قضايا جزئية لا تثبت حكمًا عامًّا، فلم يقل فيهما واصل: «قال الله كذا» ولم يقصد ذكر ألفاظ الآية، وإنما هو يحكي المعنى وينشئ ألفاظًا من عنده، فيما يشبه أن يكون نوعًا من الاستشهاد بتفسير الآية ومعناها، أكثر منه استشهادًا بلفظها ومبناها؛ لكنه مع ذلك لا يخلو من نوع انتقاد ومؤاخذة -إن صَحَّت عنه الرواية- لعدوله عن اللفظ القرآني بكل ما له من منزلة وقداسة، وإيثاره المعنى فرارًا من النطق براء فيها لثغة، يشعر أنها تشينه أو تنقصه، ففتح الباب لخصومه للتقوِّل عليه، ورميه بما ليس فيه.

التهمة الثالثة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت