وتتمثل هذه التهمة فيما نُسب إلى الجاحظ من القول بأن القرآن جسم؛ يجوز أن ينقلب مرة رجلًا، ومرة حيوانًا، وقد عزاها إليه كلٌّ من الإيجي (443) ، والتهانوني (444) ، والشريف الجرجاني (445) ، والمقريزي (446) ، وزاد الشهرستاني الأمر إيضاحًا؛ حيث أبان عن مصدرها فقال: «وحكى ابن الراوندي عنه -أي: الجاحظ- أنه قال: إن للقرآن جسدًا؛ يجوز أن يقلب مرة رجلًا، ومرة حيوانًا» (447) .
ويظهر من كلام الشهرستاني أن المصدر الذي خرجت منه هذه التهمة هو ابن الراوندي؛ الذي افترى على المعتزلة الشيء الكثير، وقد حملها المستشرق مكدونالد (448) على محمل التهكم والسخرية من الجدل الذي كان في زمان الجاحظ، وأرجعها كرللونلينو (449) إلى افتراءات ابن الراوندي على المعتزلة، ووافقه زهدي جار الله على ذلك (450) .
وثمة عبارة مهمة لأبي الحسن الأشعري تلقي الضوء على السبب الذي من أجله رُمي بعض المعتزلة بهذه المقالة، وأنه من باب لازم أقوالهم في القرآن، فما داموا قائلين بأن القرآن مخلوق، فيلزمهم أن تسري عليه صفات المخلوقات كالجسمية وغيرها، وقد تقدم أن لازم المذهب ليس بمذهب.
يقول أبو الحسن: «ويقال لهم أيضًا -أي المعتزلة- لو كان كلام الله مخلوقًا لكان جسمًا أو نعتًا لجسم، ولو كان جسمًا لجاز أن يكون متكلمًا، والله قادر على قلبهما، وفي هذا ما يلزمهم ويجب عليهم أن يجوزوا أن يقلب الله القرآن إنسيًّا، أو جنيًّا، أو شيطانًا، تعالى الله عز وجل أن يكون كلامه كذلك» (451) وواضح أن هذا كله من باب اللوازم، ولم يصرح المعتزلة بشيء منه.
وإضافةً لنص أبي الحسن المتقدم، فقد وقفتُ على كلام للجاحظ نفسه، ربما كان السبب فيما أُشيع عنه، ففي سياق مناقشته لنفر من أصحابه المعتزلة؛ كمعمر بن عباد السلمي (ت 220 هـ) وثمامة بن الأشرس (ت 213 هـ) وغيرهما ممن ذهبوا إلى أن القرآن ليس بمخلوق إلَّا على المجاز، ردَّ عليهم بأنهم لو قالوا إنه جسم، وصوت، وذو تأليف، وذو نظم، وتقطيع، وخلق قائم بنفسه، مستغن عن غيره، ومسموع في الهواء، ومرئي في الورق، ومفصل ذو اجتماع وافتراق، ويحتمل الزيادة والنقصان، والفناء والبقاء وكل ما احتملته الأجسام، ووُصفت به الأجرام، فلو