فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 584

كانوا قالوا ذلك لكانوا أصابوا في القياس، ووافقوا أهل الحق، وكانوا مع الجماعة، ولم يضاهوا أهل الخلاف.

وسياق كلام الجاحظ يشعر بموافقته لذلك الرأي، وتبنيه لما فيه؛ لكنه يعود فيقول: «ولا يجوز أن أذكر موضوع موافقتي لهم ومخالفتي عليهم في صدر هذا الكتاب» (452) ، ومع أنه لا يبين هل هو موافق أو مخالف، إلَّا أن طريقة عرضه، وعدم إنكاره لهذا الكلام قد مهَّد الطريق لإشاعة التهمة التي معنا، وفتح على نفسه وعلى أصحابه بابًا يلج فيه أمثال ابن الراوندي، فيبدي ويعيد، ويشفي ما في نفسه من غيظ وحقد على الإسلام والمعتزلة، ويصوغ أمثال هذه التهم التي تمس مكانة القرآن وعظيم منزلته.

ومع أنه لا المعتزلة ولا الجاحظ قالوا بما رماهم به ابن الراوندي، إلَّا أن الترف العقلي، وتشقيق المسائل، والخوض فيما لا يُجدي الأمة نفعًا، ولا يُفيدها أدى إلى تلقف خصومهم لهذه الأقوال وتشويهها، ثم استخلاص شنائع وتهم من بين ثناياها لم تخطر ببال أصحابها على أي حال من الأحوال.

التهمة الرابعة

وتُنسب هذه التهمة إلى نفر من المعتزلة زعموا أن القرآن غير معجز، وليس فيه دلالة على نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، وعللوا ذلك بأن القرآن جسم من الأجسام، وكل ذلك تفريعٌ على مبدئهم المشهور في القول بخلق القرآن، فما دام القرآن مخلوقًا فهو كغيره من المخلوقات؛ إما جسمًا وإما عرضًا، ولا يعقل أن يكون شيئًا خارجًا عن هذين النوعين.

وممن نسبت إليه هذه التهمة من المعتزلة: هشام الفوطي (ت 246 هـ) ، وعباد بن سليمان (ت 250 هـ) (453) ، كما حُكي عن أبي موسى المردار (ت 226 هـ) القول بأن الناس قادرون على الإتيان بمثل القرآن، وبما هو أفصح منه (454) .

وقد حاول المعتزلة أن يدافعوا عن تلك التهم بطريقة أو بأخرى، وانطوت محاولاتهم على نوع من الاعتراف الضمني بها، فالقاضي عبد الجبار يحاول الرد على من نسب لعباد بن سليمان نفي إعجاز القرآن، وعدم دلالته على نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيذكر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت