«أنه لم ينكر كونه معجزًا في المعنى؛ وإنما أداه إلى ذلك قوله: إن الأعراض لا تكون دلالة، ولا المعدوم المقتضي، فقال لأجل ذلك إنه لا يدل الآن، وأن في أيامه صلى الله عليه وسلم تكون الدلالة لجبريل الذي أُنزل به، كما يقول في مجيء الشجرة إنه ليس بدلالة، وإن الدلالة هي الشجرة الجائية، وهذا كلام في عبارة، لا يمنع من أن يكون قائلًا بما يقوله غيره، غير دافع لها» (455) .
وكلام القاضي ودفاعه عن عباد في غاية الغرابة، ولا أظن أن الخلاف -كما يصوره- خلاف لفظي في العبارة فحسب، فعباد -باعتراف القاضي- يرى أن القرآن: «لا يدل الآن» على نبوته صلى الله عليه وسلم، وحتى في زمانه صلى الله عليه وسلم لا يدل بنفسه؛ بل الدال هو جبريل عليه السلام.
فهل البحث في إعجاز القرآن، ودلالة ذلك على النبوة، أو في إعجاز جبريل؟ ثم ما الفائدة من التسليم النظري بأن القرآن معجز، ثم نفي أهم ثمرات ذلك الإعجاز وهي إثبات نبوته صلى الله عليه وسلم؟ كما يلزم من كلام عباد لازم في غاية الخطورة، إذ يصير القرآن في زماننا، وكل ما كان بعد النبي صلى الله عليه وسلم، غير دال على النبوة، ولا حجة فيه على مشرك أو معاند.
ويندرج تحت التهمة التي معنا، ما اشتهر عن النظَّام من القول بالصرفة؛ حيث ينحصر إعجاز القرآن في الإخبار عن المغيبات، وأما نظمه وتأليفه فليس بمعجز، وقد كان بإمكان العباد أن يأتوا بمثله، لولا أن صرفهم الله عن ذلك، وأعجزهم عن تحقيقه.
وممن عزا هذا المذهب إلى النظَّام من أصحابه المعتزلة؛ الجاحظ الذي كان من مقاصده في تأليف كتاب «نظم القرآن» الرد على هذا المذهب (456) ، وأبو القاسم البلخي (457) ، والقاضي عبد الجبار، الذي رد على فكرة الصرفة في العديد من كتبه (458) ، وأما الخياط فقد حاول تبرئة النظَّام من ذلك بكلام غير مقنع (459) ، وهذا كله فضلًا عمن نسب ذلك إلى النظَّام من غير المعتزلة (460) .
وليس المقصود في هذا المقام أن نتعرض لموقف النظَّام من الإعجاز، وما ذهب إليه من القول بالصرفة (461) ، فالخطر الحقيقي ليس في الصرفة -مع مجافاة القول بها للصواب- وقد مال إلى اختيارها ابن حزم (462) ، والجويني (463) ؛ بل نسبها بعض المتأخرين للأشعري نفسه (464) ، وإنما