مكمن الخطورة في الزعم بأن القرآن ليس دليلًا على نبوته صلى الله عليه وسلم -كما يقول هشام الفوطي، وعباد بن سليمان- مع أن الآيات وردت تترى في إثبات ذلك، والتحدي به، وبيان كفايته أتم كفاية، وأعظم غنى عن سائر المعجزات الحسية؛ كما قال سبحانه: {أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم، إن في ذلك لرحمة، وذكرى لقوم يؤمنون} [العنكبوت: 51] .
وعلى أية حال فالمعتزلة -سوى من تقدم ذكرهم، إن ثبت ما نُسب إليهم- وجميع المسلمين متفقون على إعجاز القرآن ودلالته على النبوة (465) ، وقد حكى القاضي عبد الجبار هذا الاتفاق (466) ، وأشار إلى أن الخلاف في وجه الإعجاز لا يعني خلافًا في ثبوت الإعجاز ذاته، وليس لأحد أن يتوصل بهذا الخلاف الواقع إلى التشكيك في تحقق الإعجاز (467) .
كما تجدر الإشارة إلى أن بعض المعتزلة رأوا أن الاستدلال بالقرآن هو الطريق الوحيد لإلزام الخصوم الذين لا ينفع معهم الاستدلال بالمعجزات الحسية الأخرى سوى القرآن الكريم (468) .
التهمة الخامسة
وتتعلق هذه التهمة بموقف المعتزلة من القراءات؛ حيث ثارت عدة تساؤلات حول منهج أئمة الاعتزال في التعامل معها، ومدى ثبوتها عندهم وتعظيمهم لها، وهل حمل المذهب عليها، أو لويت أعناقها لتتواءم مع آراء المذهب ومعتقداته؟ وأهم ما نسب إليهم في هذا الصدد أمران:
الأول: تخطئتهم لبعض القراءات ولو كانت متواترة، وردهم بعنف على من قرأ بها من القراء المشاهير، ومع أن جل الأسباب التي دعت إلى ذلك كانت لغوية في المقام الأول، كما أن المعتزلة لم يكونوا وحدهم في هذا الموقف؛ بل شاركهم فيه عدد من النحاة غير المعتنقين للفكر الاعتزالي، إلَّا أن الظاهرة التي رصدها بعض الباحثين، ممن أفردوا لهذا الموضوع دراسات موسعة (469) تُظهر بوضوح أن النحويين ذوي النزعات العقلية كانوا أكثر توسعًا في نقد القُرَّاء والقراءات، وتخطئتها من غيرهم، وجُلُّ هذا الفريق من المعتزلة، أو ممن لهم اهتمامات كلامية؛ كسيبويه (ت 180 هـ) ، والكسائي (ت 189 هـ) ، والفراء (ت 207 هـ) ، والأخفش (ت 211 هـ) ، والمبرد (ت 285 هـ) ، والزجاجي (ت 310 هـ) ، وأبي علي الفارسي (ت 377 هـ) ، وابن جني (ت 395 هـ) وهذان الأخيران من أشهر نحاة المعتزلة، ولن نستفيض في