فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 584

الحديث عن هذا الأمر الأول؛ إذ محل تفصيله في الدراسات النحوية، وإنما يعنينا الأمر الثاني؛ والذي كانت دوافعه كلامية.

الآخر: اختيار المعتزلة لعدد من القراءات الشاذة، وترجيحها على ما ثبت تواترًا؛ لأن تلك القراءات تخدم آراء المذهب، وترد على معتقدات الخصوم، وسنكتفي بعرض عدد من الأمثلة التي تدل على هذا المسلك:

(أ) نُسب إلى عمرو بن عبيد أنه قرأ قوله تعالى: {من شر ما خلق} [الفلق: 2] بتنوين «شر» وجعل ما نافية (470) ، وقد علق مكي بن أبي طالب؛ أحد أئمة القراءات واللغة على تلك القراءة قائلًا: «أطبق القراء، حتى أهل الشذوذ، على إضافة «شر» إلى «ما» إلَّا عمرو بن عبيد رأس الاعتزال، فقرأ بتنوين «شر» ليصحح مذهبه، وهو محجوج بإجماع من قبله على قراءتها بالإضافة» ونقل ابن حيان عن ابن عطية، أن هذه قراءة مردودة مبنية على مذهب باطل (471) .

(ب) وروي عن عمرو بن عبيد أنه قال لأبي عمرو بن العلاء: أحب أن تقرأ هذا الحرف: {وكلم الله موسى تكليمًا} [النساء: 164] ليكون موسى هو الذي كلم الله، ولا يكون في الكلام دلالة على أن الله كلم أحدًا، فقال له: وكيف تصنع بقوله: {ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه} [الأعراف: 143] وقد عزا إليه هذه الحادثة نفر من أهل العلم الثقات، المأمونين في النقل (472) ، ومع هذا فلن نعتمد على هذه القصة وحدها؛ لأن من نسبها لعمرو من غير المعتزلة، وثمة أمثلة أخرى ليس في نسبتها إليهم أدنى مجال للشك.

(جـ) واختار المعتزلة قراءة قوله تعالى: {إنا كل شيء خلقناه بقدر} [القمر: 49] برفع «كل» وهي قراءة شاذة؛ لتوافق مذهبهم في القدر؛ إذ يصير المعنى على هذه القراءة: إنا كل شيء مخلوق لنا بقدر، ويُفهم منها وجود مخلوق لله ليس بقدر، وموضع «خلقناه» على هذه القراءة نعت شيء، وخبر أن شبه الجملة «بقدر» (473) ، وقد حاول ابن جني تقوية هذه القراءة تبعًا لنزعته الاعتزالية (474) ، وردَّ عليه خصوم المعتزلة من الأشاعرة في تفاسيرهم؛ كأبي حيان الأندلسي (475) والآلوسي (476) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت