(د) واختار الزمخشري قراءة قوله تعالى: {ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين} [آل عمران: 178] بكسر «أنما» الأولى وفتح الثانية، واستعان بذلك في تقرير مذهبه في القول بالأصلح، ووجه المعنى في ضوء تلك القراءة على تقدير أن «إملاءنا خير لأنفسهم إن عملوا فيه، وعرفوا إنعام الله عليهم، بتفسيح المدة، وترك المعاجلة بالعقوبة» (477) ، والمهم أن يخرج معنى الآية عن نسبة الإملاء المؤدي لزيادة الإثم إلى الله سبحانه وتعالى، حتى لا يخالف قول المعتزلة بالصلاح والأصلح، مما حدا بأبي حيان الأندلسي أن ينتقد الزمخشري بشدة، ويشير إلى أنه من شدة الولوع بمذهبه يروم رد كل شيء إليه (478) .
(هـ) ونسب ابن خالويه إلى عمرو بن عبيد قراءةَ قوله تعالى: {عذابي أصيب به من أشاء} [الأعراف: 156] بسين مهملة بدلًا من الشين المعجمة، فتصير «أساء» بدلًا من «أشاء» لتوافق مذهب المعتزلة في القدر (479) .
ومع أن الأمثلة السابقة تدل على أن المذهب يأتي أولًا، وبعده تُطوَّع القراءات، ولا بأس من ترجيح الرواية الشاذة على المتواترة، إلَّا أن من الواجب أن نشير إلى أن القاضي عبد الجبار نقل عن شيوخه ما يخالف ذلك تمامًا؛ حيث نصَّ على أن القراءات منقولة بما يفيد العلم الضروري كلمةً كلمةً، ولا يجوز التشكيك في شيء منها.
فيقول: «وقد ذكر شيوخنا أن القراءات المختلفة في القرآن معلومة باضطرار، فضلًا عن الكلمات؛ حتى نعلم أنه صلى الله عليه وسلم أدى إليهم، وعلمهم كلتا القراءتين في (مالك يوم الدين) و (ملك يوم الدين) حتى لا يجوز التشكيك في ذلك لمن سمع الأخبار في القراءات» (480) . ولعل من المفارقات الغريبة أن المعتزلة يرمون خصومهم بتجويز الاجتهاد في القراءات، ويعيبونهم على ذلك (481) ، في الوقت الذي يصرح فيه أكثر من واحد من أئمة الأشاعرة بأن المعتزلة ينازعون في تواتر القراءات، كما يجوزون إعمال الرأي والاجتهاد فيها (482) .
وفي ظني أن الإشكال -في حقيقته- راجع إلى المنطلق الفكري لمذهب المعتزلة، والذي على ضوئه يتعاملون مع سائر الأدلة النقلية، قراءات أو غيرها، فهذا المنطلق -وهو مقررات العقل