فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 584

وأحكامه- أدى بهم إلى الاعتقاد أولًا ثم البحث عن مستند لذلك المعتقد، حتى لو كان قراءة شاذة، لم تُنقل بطريق ثابت، أو خالفت قراءة صحيحة متواترة، ولكن مع هذا، فكلام القاضي عبد الجبار المتقدم، يحول دون تعميم التهمة على المعتزلة جميعًا.

التهمة السادسة

وتتضمن هذه التهمة أمرًا في غاية الخطورة؛ حيث نُسب إلى جعفر بن حرب (ت 234 هـ) القول بأن القرآن أعراض، وقد خلقه الله في اللوح المحفوظ، ولما كانت الأعراض لا تبقى، ولا يجوز للشيء الواحد أن يكون في مكانين؛ فيلزم من ذلك كله أن القرآن الذي أنزله الله على رسوله صلى الله عليه وسلم ليس بباقٍ اليوم، ولا موجود بيننا، وأما ما بين أيدينا فهو حكاية عن القرآن، وليس القرآن ذاته، وممن حكى عنهما هذه الأقوال الشهرستاني (483) والسبكي (484) وابن حزم، والذي عقب بعبارة شديدة، فقال: «وهذا كفر مجرد، وخلاف جميع أهل الإسلام» (485) .

ولا يخفى أن حكاية النفر الثلاثة المذكورين لا تكفي لنسبة هذا القول إلى الجعفرين، حسبما اشترطنا في أول هذا المبحث، ومن حسن الحظ أن الخياط المعتزلي قد تعرض لهذا الأمر في كتابه «الانتصار» في سياق رده على ابن الراوندي الذي حكى عن المعتزلة تكفير جعفر بن مبشر لقوله: إن الناس لم يسمعوا القرآن على الحقيقة، وما في المصاحف ليس بكلام إلَّا على المجاز، فقال الخياط معقبًا على هذا الكلام: «لم يكن جعفر، ولا من قال بقوله يزعم أن أحدًا لم يسمع القرآن إلَّا على المجاز، بل كأن قولهم: إنهم قد سمعوا القرآن في الحقيقة، وأن القرآن في المصاحف مكتوب .. غير أن سبيل العلم بذلك السمع، وإن كانوا ينكرون بالقياس أن يكون عُرض في مكانين، فأما ما جاء به السمع فلم يدفعوه» (486) .

ويظهر من كلام الخياط أن ما رُمي به هؤلاء النفر من المعتزلة كان توليدًا لأقوالهم، وما تستلزمه من لوازم، وإن لم يصرحوا به، ولعل كلام الخياط هذا كافٍ في رد التهمة، لا سيما أنه ليس أمامنا سبيل للتأكد من ثبوتها عبر مصادر محايدة، لا يحتمل فيها أثر العصبية المذهبية ونتائجها، ثم تغليبًا لحسن الظن والاحتياط في توزيع التهم، مع ما عُرف عن الجعفرين من سيرة حسنة، حتى إن الخياط يقول في مدحهما: «لم يوجد في فرقة من الفرق نظيرٌ لجعفر بن مبشر وجعفر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت