فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 584

بن حرب رحمهما الله في العلم والعمل، حتى إن المثل في العلم والعمل ليضرب بالجعفرين كما يضرب في حسن السيرة بسيرة العمرين» (487) .

ومع ما في هذا الوصف من مبالغة في المدح ربما دعت إليه عين الرضا؛ إلَّا أنه على الأقل يُبرئ ساحة الرجلين من انتحال مثل هذا الرأي الشاذ والغريب.

التهمة السابعة

وهي تتشابه مع سابقتها، لكنها موجهة هذه المرة إلى الأشاعرة، بل طالت مؤسس المذهب نفسه، وخلاصتها: أن أبا الحسن وموافقيه في الرأي يقولون: إن ما في المصحف ليس كلام الله على الحقيقة، وإنما هو عبارة أو حكاية، ومن ثمَّ فالموجود بين الدفتين ليس كلام الله الأصلي؛ لأن الكلام النفسي القديم لا يمكن للبشر أن يقفوا عليه، وإنما هو العبارات والألفاظ التي تحكيه وتعبر عنه.

وقد اهتمَّ الأشاعرة بالردِّ على هذه التهمة وتفنيدها، وأرجعها أبو محمد الجويني -والد إمام الحرمين- إلى خصوم أبي الحسن من المعتزلة، الذين اغتاظوا من ردوده عليهم، فنسبوا إليه القول بأنه ليس في المصحف قرآن، ولا في القبر نبي، ونفي قدرة الخلق في الأزل، وتكفير العوام، وإيجاب الدليل عليهم، وذكر أنه تصفح كتب الأشعري وتأمل نصوصه في هذه المسائل؛ فوجدها كلها خلاف ما نُسب إليه (488) .

ويبدو أن ذيول هذا الاتهام ظلت متداولة بصورة ملحوظة، مما دفع السبكي (ت 771 هـ) الذي جاء بعد وفاة والد إمام الحرمين بما يزيد على ثلاثة قرون- للرد عليها بصورة أكثر تفصيلًا؛ واصفًا نسبة الأشعري إلى القول بأن القرآن ليس بين الدفتين بأنه «تشنيع فظيع، وتلبيس على العوام، فإن الأشعري وكل مسلم غير مبتدع يقول: إن القرآن كلام الله، وهو على الحقيقة مكتوب في المصاحف، لا على المجاز، ومن قال: إن القرآن ليس في المصاحف على هذا الإطلاق- فهو مخطئ، بل القرآن مكتوب في المصاحف على الحقيقة، والقرآن كلام قديم غير مخلوق» (489) ومن الغريب أن ابن حزم نسب هذا الكلام إلى الأشاعرة كلهم دونما استثناء، وشنَّ عليهم حملة شعواء لقولهم بذلك (490) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت