فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 584

وقد أخذت التهمة منحى آخر؛ فلم تقتصر على كون الأشاعرة يقولون: إن ما في المصاحف ليس كلام الله، بل تسلسلت على ما هو أشد وأخطر؛ إذ نسب إلى بعضهم لازم المقالة السابقة، فما دام ما في المصحف ليس كلام الله؛ فلا وجه لتوقيره وتعظيمه، حتى وصل الأمر إلى نسبة أناس منهم إلى إهانة المصحف، فذكر ابن حزم عن رجل من أصحابه اسمه علي بن حمزة المرادي الصقلي الصوفي «أنه رأى بعض الأشاعرة يبطح المصحف برجله، قال: فأكبرت ذلك، وقلت له: ويحك، هكذا تصنع بالمصحف وفيه كلام الله تعالى؟ فقال لي: ويلك، والله ما فيه إلَّا السخام والسواد، وأما كلام الله فلا. ونحو هذا من القول الذي هذا معناه» (491) .

ثم نقل ابن حزم حكاية أخرى عن رجل اسمه «أبو المرحى بن ندما المصري» ذكر عن بعض الأشاعرة أنه قال: «على من يقول إن الله تعالى قال: {قل هو الله أحد * الله الصمد} ألف لعنة» فعقَّب ابن حزم قائلًا: «بل على من يقول: إن الله عزَّ وجلَّ لم يقلها ألف ألف لعنة تترى، وعلى من ينكر أنا نسمع كلام الله، ونقرأ كلام الله، ونحفظ كلام الله، ونكتب كلام الله- ألف ألف لعنة تترى من الله عز وجل؛ فإن قول هذه الفرقة في هذه المسألة نهاية الكفر بالله تعالى، ومخالفة للقرآن والنبي صلى الله عليه وسلم، ومخالفة جميع أهل الإسلام قبل حدوث هذه الطائفة الملعونة» (492) .

وسامح الله ابن حزم وعفا عنه، فما يسع من يقرأ كلامه الشديد الصارم هذا إلَّا أن يقر بصدق من قال: «كان لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقين» وإلا فكيف استجاز لنفسه أن يطلق ألفاظ الكفر واللعنات المتواليات بالألوف، على تهم مرسلة وحكايات عن مجاهيل، لا أثر لوجودها في كتب القوم أنفسهم، بل يتبرءون منها كما سنرى بعد قليل، وتقتضينا المناقشة المنصفة أن نشير إلى عدة أمور:

الأول: أن اتهام الأشاعرة بإهانة المصحف وقلة توقيره- أمر لا يمكن التسليم به مطلقًا، وكل ما ذكره ابن حزم روايات لم يرها، أو يشاهدها عيانًا، بل حكاها عن نفر من أصحابه، وليس بمثل هذه الطريقة تثبت تهمة تُخرج صاحبها من الملة، ولعل أبلغ رد عليها أن نسوق كلام الباقلاني، الذي لا تخفى مكانته في المذهب الأشعري، حيث قال: «كذلك الخطوط التي يُكتب بها القرآن، والصحف التي يكتب فيها؛ نوقره ونعظمه وننزهه أن يُمس إلَّا على طهارة، ولا يُقرَّب إليه شيء من الأنجاس، بل نعظمه، ونشرفه» (493) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت