فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 584

الثاني: لعل السبب في هذه التهمة وسابقتها الخوض في تفصيلات وتدقيقات كان المسلمون وعقيدتهم في غنى عنها، فالقرآن كلام الله وكفى، وتفريق الأشاعرة بين الكلام النفسي القديم والألفاظ الحادثة المعبِّرة عنه هو الذي فتح الباب لإثارة القضية ككل، وخصوصًا أن لبعضهم عبارات فيها الكثير مما يُنتقد، فالآمدي يحكي الإجماع على أن القرآن الحقيقي -الذي كلام الرسول حكاية عنه- ليس معجزة للرسول (494) ، ولا يدري المطالع لكلامه أيَّ إجماع يقصد، مع أن جُلَّ الأمة على خلافه، وقبله الباقلاني يبين أن التحدي بالقرآن لم يقع بمثل الكلام القائم بالله سبحانه وتعالى، وإنما بالحروف المنظومة التي هي عبارة عنه (495) ولكن الأشاعرة مع هذا التفريق -الذي لا تنهض الأدلة على إثباته- لا يصرحون بأن ما في المصحف ليس كلام الله، هكذا على الإطلاق، بل إن أحد متأخريهم كفَّر من أطلق ذلك دونما تفصيل، فقال: «وكل من أنكر أن ما بين دفتي المصحف كلام الله؛ فقد كفر إلَّا أن يريد أنه ليس هو الصفة القائمة بذاته» (496) .

الثالث: ومع الإقرار ببراءة الأشاعرة مما وُجِّه إليهم من اتهامات حول هذه القضية، إلَّا أنه ليس من المستبعد أن يوجد نفر من مقلدي المذهب لم يفهموا كلام أئمتهم في التفرقة بين نوعي الكلام، ومن ثم صدرت عنهم عبارات موهِمة، جرهم إليها التعصب والغلو، وإليهم أشار ابن تيميَّة، فإنه بعد أن برَّأ ساحة الأشعري من القول بأن ما في المصحف ليس كلام الله- نبه إلى مجيء نفر من أتباعه، لم يفهموا حقيقة مذهبه، فزعموا في القرآن «أنه معنى قائم بذات الله فقط، وأن الحروف ليست من كلام الله، بل خلقها الله في الهواء، أو صنفها جبريل، أو محمد صلى الله عليه وسلم، فضموا إلى ذلك أن المصحف ليس فيه إلَّا مداد وورق، وأعرضوا عما قاله سلفهم من أن ذلك دليل على كلام الله؛ فيجب احترامه ... فصار هؤلاء يمتهنون المصحف، حتى يدوسوه بأرجلهم، ومنهم من يكتب أسماء الله بالعذرة إسقاطًا لحرمة ما كُتب في المصاحف والورق، من أسماء الله وآياته» (497) .

ونخلص مما سبق إلى أن أبا الحسن وأئمة الأشاعرة من بعده بعيدون كل البعد عن هذه التهمة التي لا يمكن لمسلم عاقل أن يتفوه بمثلها، وإن وُجد من الأشاعرة من قال بها فهم عوام المذهب وجهَّاله، وقد أشار الشريف الجرجاني في شرح المواقف إلى ما حدث من سوء فهم لكلام الأشعري في القرآن، وإلى اللوازم الفاسدة التي نتجت عن ذلك (498) مما يتواءم مع التوجيه الذي ذكرناه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت