التهمة الثامنة
ونختم بهذه التهمة، التي لا تمس جانبًا عقديًّا، وإنما تدل حال ثبوتها على قلة العناية بالقرآن، حفظًا واستدلالًا، فقد رُمي كثير من المتكلمين بقلة حفظهم للقرآن وعنايتهم به، والذي أدى بدوره إلى ندرة الاستشهاد بنصوصه في مصنفاتهم العقدية والكلامية، نظرًا لانشغالهم بدقائق الكلام ومشاكله عن تدبر القرآن وحفظه.
ويصف ابن تيميَّة حال أكثر المتكلمين بأنهم «لا يعلمون معاني القرآن فضلًا عن الحديث، بل كثير منهم لا يحفظون القرآن أصلًا، فمن لا يحفظ القرآن، ولا يعرف معانيه، ولا يعرف الحديث ولا معانيه- من أين يكون عارفًا بالحقائق المأخوذة عن الرسول» ثم ذكر بعضًا من الأمور المثيرة للاستغراب، فقد يوجد من أئمة علماء هؤلاء من لا يميز بين القرآن وغيره، بل ربما ذُكرت عنده آية فقال: لا نسلم صحة الحديث، وربما قال: لقوله عليه السلام كذا، وتكون آية من كتاب الله، وقد بلغنا من ذلك عجائب، وما لم يبلغنا أكثر، وحدثني ثقة أنه تولى مدرسة مشهد الحسين بمصر بعضُ أئمة المتكلمين رجل يُسمى شمس الدين الأصبهاني، شيخ الأيكي، فأعطوه جزءًا من الربعة، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ألمص، حتى قيل له: ألف، لام، ميم، صاد» (499) .
ومع أن ابن تيميَّة ثقة مأمون في نقله إلَّا أننا وفاء بالشروط المنهجية التي أسلفناها نحيل إلى بعض الممارسات العملية لنفر من المتكلمين في كتبهم، والتي توحي بقلة حفظهم للقرآن أو على الأقل عدم إجادتهم الكاملة له (500) ، ولكن يبقى أن اتهام المتكلمين بعدم العناية بحفظ القرآن لا ينسحب عليهم جميعًا، فقد وُجد من بينهم من كان ذا عناية واضحة بفنون متعددة، كالقراءات والتفسير، ويصعب أن يؤلف أحدهم كتابًا في التفسير وهو لا يحفظ القرآن، كما أن نظام التعليم السائد وقتها كان يُلزم الطالب بحفظ القرآن أولًا، قبل أن يخوض في غمار غيره من العلوم، وأما المتكلمون الذين أفنوا أعمارهم في علم الكلام وما يشبهه من العلوم العقلية فربما صدق في حقهم ذلك الأمر، لقلة التفاتهم إلى العلوم الشرعية وعنايتهم بها، وسيرد فيما بعد عدة نماذج لمدى معرفتهم بعلم الحديث، وتمييزهم بين صحيحه وسقيمه، مما يقوي ما نُسب إليهم فيما يتعلق بالقرآن.