فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 584

وبعد عرض ما تقدم من اتهامات وُجهت للمعتزلة -في الأعم الأغلب- وللأشاعرة -في القليل النادر- يمكن أن نخرج بالملاحظات التالية:

(أ) جُلُّ هذه الاتهامات لم يثبت من طريق معتمد، يمكن بواسطته نسبة المقالات والمذاهب إلى أصحابها، ومن ثم فلا يصح قبولها، أو إلزامهم بما تتضمنه.

(ب) بعض هذه الاتهامات كان من باب إلزام القوم بموجب أقوالهم ولوازمها، وإن لم يصرحوا بها، وقد تقدمت أقوال أهل العلم في تقرير أن لازم المذهب ليس بمذهب.

(جـ) اختصاص المعتزلة بالنصيب الأوفر من تلك التهم يثير نوعًا من التساؤل عن الأسباب التي أدت إلى ذلك، والظاهر أنها كانت مجموعة من العوامل، وليست عاملًا واحدًا، ومن أهمها أن الغلبة والبقاء كُتب لخصومهم من الأشاعرة، مما مهد الطريق لانتشار الأقاويل، مع ضياع كتبهم وانقراض رجال المذهب، ثم ما كان في نفوس المجتمع المسلم تجاههم نتيجة ما جرى في محنة خلق القرآن، وموقفهم من الحديث والمحدِّثين، وبعض آرائهم العقدية المخالفة لما عليه جمهور الأمة .. كل ذلك أفسح المجال لإشاعة العديد من التهم حولهم، مع أن أكثرها ليس بثابت، ولا يخدش مطلقًا ما سبق تقريره عن موقفهم من حجية القرآن جملةً وتفصيلًا.

مقارنة بين موقف المعتزلة والأشاعرة من حجية القرآن

وأظن أن المقارنة بين الموقفين لا تحتاج لكثير إطالة، ويمكن أن نقرر مطمئنين أنه ليس ثمة نزاع بينهم، ولا بين غيرهم من المسلمين في إثبات حجية القرآن وقطعية ثبوته، فالقرآن عند المدرستين حجة قاطعة، ونصوصه ثابتة كلمةً كلمةً، وحرفًا حرفًا، وجهودهم في الدفاع عن القرآن واضحة وظاهرة للعيان، وإن تفاوتت درجاتها بين الفريقين، وجلُّ التهم التي ثارت حول المذهبيين لم تثبت، أو هي آراء فردية لا تؤثر على المذهب ككل، وليس هذا الباب من أبواب النزاع بين الفريقين، بل إن مساحة الاتفاق والتطابق في الرأي هي الغالبة، ومساحة الاختلاف قليلة أو شبه نادرة، وهذا كله على المستوى النظري، وأما الاستدلال الفعلي بالقرآن على المسائل العقدية فسيرد الحديث مفصلًا عن الأسس التي شكلت منهجية التعامل معه في الباب الثاني إن شاء الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت