إذا حاولنا أن نعقد مقارنة موجزة بين موقف المدرستين من التأويل، فيمكن أن نخرج بالملاحظات الآتية:
(أ) هناك اتفاق في المفهوم الكلامي للتأويل، وهو صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى المعنى المرجوح بدليل، وليس هناك كبير فرق بين التعريفات التي قدمها أئمة المدرستين.
(ب) اشترك المذهبان في تعداد الأسباب الداعية إلى التأويل؛ كتعارض النقل مع العقل، أو مع نصوص نقلية أخرى، أو إيهام ألفاظه للتشبيه، واتفقوا على أن التأويل لا بد منه في بعض الأحيان.
(جـ) لم يختلف موقف المعتزلة من التأويل إذا استثنينا جعفر بن مبشر وجعفر بن حرب، وكل رجال المذهب قائلون به، مع تفاوت في الدرجة من شخصية إلى أخرى. أما الأشاعرة فالتباين شديد الوضوح بين موقف أئمة المذهب الأوائل والمتأخرين.
(د) بدأ التأويل عند المعتزلة مقارنًا لمرحلة النشأة، أما الأشاعرة فقد عارض أبو الحسن التأويل نظريًّا، وقال به في مواضع قليلة، والميل الحقيقي نحوه ظهر على يد تلامذته، ويمكن أن نعد عبد القاهر البغدادي نقطة تحول بارزة في المذهب.
(هـ) هناك تقارب ملحوظ بين موقف المعتزلة من تأويل الصفات الخبرية وبين وموقف متأخري الأشاعرة، حتى على مستوى التأويل التفصيلي؛ فتفسير الاستواء بالاستيلاء، والعلو بالقهر، والوجه بالذات، واليد بالقدرة، والنزول بنزول الرحمة، إلى غير ذلك موجود عند الطائفتين، لكن تظل درجة التأويل عند المعتزلة أكثر بروزًا، ويكفي أن مسلكهم تجاه النصوص التي يعدونها معارضة للعقل ينحصر في التأويل، مما يجعل تركيزهم منصبًّا عليه، أما الأشاعرة فلهم إلى جانب التأويل مسلك آخر هو التفويض، كما أنهم أثبتوا صفات المعاني خلافًا للمعتزلة الذين أولوها.