فهرس الكتاب

الصفحة 163 من 584

ثم يكون الإجماع عبارة عن اتفاق جميع الاجتهادات الفردية على قول واحد، وليس مجموعها في نهاية الأمر إلَّا لونًا من الاجتهاد بغض النظر عن كونه جماعيًّا أو فرديًّا.

ثم إن الإجماع ليس دليلًا نصيًّا فحسب؛ بل هو شيء آخر غير النص، ولا يتسنى حدوثه إلَّا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، ويستوجب نوعًا من فهم النص، والتعامل معه وتفسيره بما يؤيد أنه ليس دليلًا نقليًّا خالصًا، وإنما هو مزيج من النص والاجتهاد في آنٍ واحد (927) .

والظاهر أن الإجماع، وإن كان نوعًا من الاجتهاد الجماعي، فلا يخرجه ذلك عن كونه دليلًا نقليًّا؛ لأن مفهوم الدليل النقلي -كما أسلفنا في المدخل التمهيدي- يُقصد به الدليل المنقول عمن يُحتج بكلامه، وشرطه أن ينسب لمن قوله حجة، وأن يصل إلينا بطريق نقلي لا عقلي، وهذان الشرطان قد توافرا في الإجماع؛ إذ يرد إلى المستدل بواسطة النقل عن الأمة ككل، وهي معصومة عن الخطأ وقولها حجة، ولا يهم بعد ذلك أن يكون حصوله نتاج عمليات اجتهادية جماعية، أو إعمال العقل في فهم النص، فكل ذلك لا يؤثر في طبيعته، أو الوصف الذي يستحقه بين النقلية أو العقلية.

ثالثًا: لا يخفى أن دور الإجماع -كما وصفه الأصوليون- هو الكشف والإظهار للحكم الشرعي، وليس إنشاءه أو تأسيسه، كما ذهب الجمهور -ومن بينهم المعتزلة والأشاعرة- إلى وجوب اعتماده على مستند من آية أو حديث (928) ، فهل يُفهم من ذلك أن الإجماع ليس دليلًا أو مصدرًا مستقلًّا؛ بل هو تابع للكتاب والسُّنَّة ومعتمد عليهما، ولا يعدو أن يكون مجرد أداة تكشف عن وجود دليل من آية أو حديث، فكأنه أحد الرواة عن الكتاب والسُّنَّة، وليس نظيرًا أو مثيلًا لهما؟

والجواب: أن الإقرار بحتمية اعتماد الإجماع على مستند لا يعني أنه ليس دليلًا مستقلًّا؛ فالقياس مثلًا -وهو دليل مستقل في رأي الكثيرين- يسري عليه ما يسري على سائر الأدلة سوى القرآن والسُّنَّة من انحصار وظيفتها في الكشف عن الحكم لا تأسيسه، ولم يكن ذلك مانعًا من عده دليلًا قائمًا بنفسه، كما لم يكن مسوغًا لطرحه من جملة المصادر المعتمد عليها، والاستعاضة بالأصل المقيس عليه بديلًا عن القياس ذاته (929) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت