في الصفات التي تثبت أو تُؤَوَّل، كلٌّ تبعًا لمذهبه، كما اختلفوا في التعيين التفصيلي لكل تأويل من تلك التأويلات.
4 -اتجاه التوقف: وأصحابه قوم أحسوا بالحيرة والتردد أمام الخلافات المتعددة في هذه المسألة، فرأوا أن الأسلم التوقف عن اعتناق رأي، أو اتخاذ موقف معين تجاهها، وهم طائفتان: طائفة تقول بجواز أن يكون ظاهر النصوص صفة لائقة بالله وكماله، ويجوز ألَّا يكون المراد صفة لله، وطائفة أخرى تمسك عن هذا كله، ولا تزيد على تلاوة القرآن والحديث، معرضين بقلوبهم وألسنتهم عن هذه التقديرات.
والفرق بين الطائفتين: أن توقف الأولى قائم على الحكم بجواز الأمرين: الإثبات والنفي، دون ميل إلى أحدهما.
وتوقف الثانية قائم على عدم الحكم بشيء مطلقًا، فتوقف الأولى من جهة الإيجاب، والثانية من جهة السلب، وكلاهما توقف وعدم جزم برأي (1961) .
وليس في التوقف أي حل للمشكلة؛ بل هو نوع من الهروب ويلزم منه الشك والحيرة والجهل، ومن المعلوم قطعًا أن الله لا يحب الجهل ولا الحيرة ولا الشك، وإنما يحب العلم واليقين والرشاد (1962) ، وقد ذم الحيرة وأصحابها فقال: {حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا} [الأنعام: 71] ، وذم التذبذب والتردد فقال: {مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء} [النساء: 143] ، ثم إنه سبحانه وتعالى وصف لنا نفسه بهذه الصفات لنعرفه بها، فوقوفنا عن إثباتها ونفيها عدول عن المقصود، وبُعدٌ عن الغاية التي أُنزل القرآن من أجلها، وصحيح أن هؤلاء حاولوا قطع الخلاف الدائر حول المسألة؛ لكن التوقف السلبي لم يكن أبدًا حلًّا مقنعًا للنفس والعقل، وقاطعًا للتساؤل والاستفسار.
5 -اتجاه الإثبات مع التنزيه: وهو الموقف الوسط الخيار، المنبثق من قوله تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11] ، وهو الذي سار عليه سلف الأمة وصفوتها من الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم، وفيه يثبت كل اسم أو صفة وردت في الكتاب أو السُّنَّة على ظاهرها اللائق بجلال الله وكماله، مع التنزيه التام والمباينة الكاملة عن مشابهة صفات المخلوقين،