تشبيه أو تعطيل، مع إدراك الفرق الشاسع بين الحديث عن صفات الخالق، وصفات المخلوق، والاختلاف الكلي بين المجالين.
ومما يبين رسوخ تلك التفرقة في الصدر الأول أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يذكر آيات الصفات وأحاديثها في مجالس تضم أناسًا متفاوتي الفهم، ومختلفي الإدراك منهم الحضري والبدوي، والقارئ والأمي، والفقيه وغير الفقيه، ولم يسأل أحدهم يومًا عن حقيقة صفة، أو يستوقف النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكرها، أو يقيس الصفات الإلهية بالصفات البشرية.
وحتى يتضح الفرق بين التفويض والاتجاهات الأخرى نعرض لكلٍّ منها بصورة موجزة (1959) فيما يلي:
ا- اتجاه التشبيه والتجسيم: ويُقصد به المبالغة في إثبات الصفات إلى درجة تسويتها بصفات المخلوقين، وهو نزعة يهودية الأصل، وكان أول ظهوره على يد أصناف من غلاة الروافض أشهرهم هشام بن الحكم الرافضي، ووُجد أيضًا عند عدد من الفرق كالسبئية، والبيانية، والمغيرية، والحلولية، والمفوضية (1960) ، وغيرهم الكثير، وهؤلاء إما ممثلين للخالق بالمخلوق، فيجعلون ذاته أو صفاته سبحانه وتعالى كما هو الحال عند المخلوقين، وإما ممثلين للمخلوق بالخالق فيثبتون للمخلوق شيئًا مما يختص به الخالق من الأفعال أو الحقوق أو الصفات.
2 -اتجاه التعطيل: ويراد به نفي الصفات وتعطيل النصوص الواردة بشأنها، عن طريق تفريغها وإخلائها من دلالتها الحقيقية على ما تضمنته من معانٍ، وينقسم إلى نوعين: الأول: تعطيل محض، وهو الذي قال به الفلاسفة والقرامطة صراحة؛ حيث نفوا الصفات مطلقًا عن الله سبحانه وتعالى، ولعل أول من قال به من المسلمين جهم بن صفوان، والجعد بن درهم، والتعطيل المحض درجات متفاوتة، فهناك غلاة الغلاة الذين لا يصفون الله بالنفي ولا بالإثبات، ويسلبون عنه النقيضين، وهناك الغلاة الذين يصفونه بالسلب والإضافات دون صفات الإثبات، وهناك صنف ثالث، وهم الذين يثبتون الأسماء الحسنى دون ما تتضمنه من صفات.
3 -اتجاه التأويل: وأصحاب هذا الاتجاه يثبتون الصفات التي لا يرونها مخالفة للعقل أو موهمة لمشابهة الله بالمخلوقين، وما عدا ذلك يصرفونه عن ظاهره بأوجه التأويل المتعددة، وقد اختلفوا