فهرس الكتاب
وقد أصبح المصطلح الحادث من الشهرة بحيث تُنوسى أو تُجوهل بجانبه المعنى السابق، وصار لفظ التأويل إذا أُطلق انصرف الذهن إلى الاصطلاح المتأخر وليس إلى المعنى المستخدم في القرآن والسُّنَّة، وليست المشكلة في تطور المصطلح، فالمعروف أنه لا مشاحة في الاصطلاح، وإنما المشكلة في حمل الألفاظ الشرعية على المعنى الاصطلاحي الحادث بكل ما يترتب عليه من خلط واضطراب في الفهم والاستنباط، ولعلَّ من أشهر الأمثلة على ذلك ما حدث في تفسير قوله تعالى: {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا} [آل عمران: 7] فنتيجة لحمل التأويل على المعنى الحادث اختلفت الأقوال في الآية، وحاول كل مذهب إثبات تأييدها لقوله في المتشابهات، كما سنفصل ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وتعريفات المتكلمين والأصوليين للتأويل بالمعنى الحادث متقاربة، فإمام الحرمين يُعرِّفه بأنه: «رد الظاهر إلي ما إليه مآله في دعوى المؤول» (1844) وعَرَّفه الغزالى والرازي بأنه عبارة عن: «احتمال يعضده دليل، يصير به أغلب على الظنِّ من المعنى الذي يدل عليه الظاهر» (1845) وعرَّفه الآمدي بغضِّ النظر عن كونه صحيحًا أو فاسدًا بأنه: «حمل اللفظ على غير مدلوله الظاهر منه مع احتماله له» (1846) .
وتبقى تعريفات أخرى متعددة، والقاسم المشترك بينها أن التأويل يتناول ألفاظًا لها ظاهر راجح وآخر مرجوح، فيصرف اللفظ عن معناه الراجح إلى الاحتمال المرجوح لوجود دليل يدل على ذلك.
وللمتكلمين في تعريفهم للتأويل قيدان على قدر كبير من الأهمية؛ فقد اشترطوا ألا يكون خارجًا عن دلالات اللغة واحتمالاتها، كما اشترطوا وجود دليل يُصرف به اللفظ عن ظاهره إلى المعنى المؤول، وبذلك تفترق تأويلاتهم عن الاتجاهات المنحرفة، كغلاة الباطنية والشيعة والصوفية، الذين خرجوا عن كل قيد، وقالوا بتأويلات تنبو عن الأفهام ولا تستسيغها العقول، وتتنافى تمامًا مع المعاني اللغوية التي تحتملها الألفاظ ومع المعاني الشرعية الواردة في الكتاب والسنة (1847) .
لكن نفرًا من المتكلمين لم يلتزموا في بعض الأحيان بما اشترطوه نظريًّا، وقدَّموا تأويلات بعيدة كل البعد عن الدلالة اللغوية، كتفسير أحدهم لقوله تعالى: {وكلم الله موسى تكليما}