تعد شيئًا ذا بال إذا قورنت ببعض مواقف أئمة الاعتزال، فإن المذهب الاعتزالي لم يتفق على القول بعدالة الصحابة، حتى بين المتأخرين الذين تطورت مواقفهم إلى الأفضل في هذه القضية.
وفي الوقت الذي أوقف نفر من المعتزلة بعض كتبهم للإزراء على الصحابة، والطعن فيهم؛ كالنظَّام والجاحظ، خصص بعض أئمة الأشاعرة -كابن العربي- جزءًا كبيرًا من أحد كتبه؛ لتحقيق مواقف الصحابة، وتحميلها المحمل الحسن، والدفاع عنهم، وردِّ ما أثير حولهم من شُبَه، وربما كان ذلك في المقام الأول مواجهة للفكر الشيعي المغرم بتشويه صورة الصحابة وانتقاصهم، ثم ردًّا على الفكر الاعتزالي بصورة تبعية.
ويثور التساؤل عن دواعي الموقف المتطرف لمتقدمي المعتزلة، ثم تراجع تلك النزعة المغالية وتطورها للأحسن عند المتأخرين، ولا يستبعد أن الصلات الوثيقة التي لم تنقطع بين المعتزلة والشيعة كان لها دور مهم في إذكاء حدة الموقف عند المتقدمين، وقد بالغ المقريزي في تحديد درجة هذه الصلة فقال: «وقلما يوجد معتزلي إلا وهو رافضي إلا قليلًا منهم» (1235) ، ولكن مع هذا فلا يُنكَر أن أكثر المعتزلة تشددًا في نقد الصحابة مَن كان منهم معتنقًا التشيع بجانب اعتزاليته (1236) ، ويؤكد ذلك اتفاق الموقف الاعتزالي بعد مراحله الأولى على الإعلاء من قيمة علي رضي الله عنه، وتفسيق -بل في بعض الأحيان تكفير- معاوية ومَن كان معه من أهل الشام.
كما أن اهتمام المعتزلة بما دار بين الصحابة تأليفًا وبحثًا يعود بدرجة كبيرة إلى صلة هذه المسائل بموضوع الإمامة الذي استحوذ على جزء كبير من دراساتهم وجهودهم، وكان نقطة افتراق رئيسية بين أغلب الفِرَق الكلامية (1237) ، وألف المعتزلة فيه عددًا من الكتب، منها:
- «قتال علي وطلحة» لبشر بن المعتمر، وله كذلك كتاب «الرد على الأصم في الإمامة» .
- «الإمامة» و «إمامة معاوية» و «إمامة بني العباس» و «تصويب علي في التحكيم» و «وجوب الإمامة والعثمانية» ، وكلها للجاحظ.
- «نقض كتاب العثمانية للجاحظ» من تأليف أبي جعفر الإسكافي.
- «إمامة أبي بكر» للقاسم الدمشقي.