فهرس الكتاب

الصفحة 205 من 584

وعلى نفس المنوال سار عدد من أئمة الأشاعرة؛ كالباقلاني (1148) ، وابن فورك (1149) والجويني (1150) والغزالي (1151) ، وإن خالف بعضهم (1152) فمال إلى تعريف المحدثين، مكتفيًا بالرؤية ومطلق اللقاء، دون أن يشترط طول الصحبة، وأرجعوا ذلك إلى أن الاجتماع بالمصطفى صلى الله عليه وسلم له من البركة ما ليس لغيره، كما يؤثر من النور القلبي أضعاف ما يؤثر الاجتماع بالصحابي وغيره من الأخيار، فالأعرابي الجلف بمجرد ما يجتمع بالمصطفى صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به ينطق بالحكمة من بركة طلعته (1153) ، وأظن أن هذا التعليل لا يخلو من وجاهة، وتؤيده عشرات من حوادث السيرة وأحوال الصحابة؛ حيث يتحول الرجل بمجرد إسلامه من غلظة البدو وفظاظتهم إلى سمو في الخُلُق، ورجاحة في العقل، وحكمة في المنطق.

ولا يبدو الخلاف بين مفهوم المتكلمين للصحبة ومفهوم المحدثين لها مجرد خلاف لفظي؛ إذ يترتب عليه في باب الرواية والإسناد مشاكل عدة مبنية على الحكم على راوٍ ما في آخر سلسلة الإسناد بأنه صحابي؛ فيصير الحديث صحيحًا متصل الإسناد، أو الحكم عليه بأنه ليس صحابيًّا؛ فيصير الحديث مرسلًا منقطع الإسناد؛ ولذا فإن الباقلاني -مع تبنيه للمفهوم الكلامي- مال إلى ترجيح مذهب المحدِّثين في باب الرواية والإسناد (1154) .

والظاهر أن تعريف المحدثين أكثر دقة وأبلغ احتياطًا في مجال الإسناد والرواية، فهو لا يخالف تعريف المتكلمين؛ بل يزيد عليه، ويوسع من دائرته، ويتناسب مع اهتمام المحدثين الذي ينصب بالدرجة الأولى على صحة الأسانيد والتأكد من اتصالها.

وأما في مجال الكلام عن حجية أقوال الصحابة في الأصول أو الفروع، فالواقع العملي يحتم السير وراء المفهوم الأصولي والكلامي الأضيق دائرة؛ لأن الصحابي الذي يُنظر في مدى حجية قوله لن يكون أي صحابي فحسب؛ بل لا بد أن يكون ممن رافق رسول الله صلى الله عليه وسلم وصَحِبَه فترة كافية، تتيح له الوصول إلى مرتبة الاجتهاد، والنظر في القرآن والسُّنَّة، مزودًا بخبرة واسعة في الشريعة ومقاصدها، نابعة من المشاهدة المستمرة، والمعايشة المطولة لتشريعات الرسول صلى الله عليه وسلم، ومنهجه في سَنِّ الأحكام، بما يئول في نهاية الأمر إلى تحصيل الملكة الاجتهادية القادرة على استنباط أحكام فقهية، أو الإدلاء بآراء تتعلق بمسائل عقدية، وكل هذه الأمور لم تتوافر في الصحابة جميعًا، وإنما توافرت في طائفة قليلة محدودة العدد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت