كذلك من الواضح وجود قدر كبير من التشابه بين المسلكين -الكلامي والأصولي- في الحديث عن أقسام السُّنَّة والتفريق بين متواترها وآحادها، وما يفيده كل قسم منها، كما لا يخفى أن جُلَّ متكلمي المدرستين شاركوا بطريقة أو بأخرى في علم أصول الفقه، حتى يندر أن نجد إمامًا من أئمة الأشاعرة البارزين ليس له مصنف أصولي كالباقلاني، والجويني، والغزالي، والرازي، والآمدي، والسبكي، والبيضاوي، والإيجي، والتفتازاني، وغيرهم الكثير، ولا يختلف الحال عند المعتزلة (506) ، وإن كان أقل ظهورًا.
وهذه النماذج تؤكد أن علم الأصول كان أكثرَ العلوم الشرعية استحواذًا على اهتمام المتكلمين -دراسة، وبحثًا، وتصنيفًا- بعد مجال تخصصهم الأصلي، مما أدى إلى وجود كثير من مناطق التأثير والتأثر، والمباحث المشتركة بين العلمين (507) ، ولعل دراستنا هذه -وهي مزيج من العلمين- إحدى الدلائل على تلك الصلات.
لكن ما سبق لا يعني التطابق التام بين المفهومين، بل هناك نوع من التفاوت ربما ظهر عند بعض المتكلمين ونسوق تعريف القاضي عبد الجبار، كنموذج للتدليل عليه؛ حيث أوضح أن معنى السُّنَّة إذا أضيفت إليه صلى الله عليه وسلم هو ما أمر به ليدام عليه، أو فعله ليدام الاقتداء به (508) ، ثم نَبَّه إلى أن هذا الاسم إنما يقع على ما ثبت أنه قاله أو فعله، وأما أخبار الآحاد فلا يصح أن يقال فيها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعًا، وإنما يجوز أن يقال: رُوي عنه ذلك، ومن ثَمَّ يُعبر عن هذا النوع بأنه سُنَّة على وجه التعارف، لا الجزم واليقين (509) .
ويتضح من كلام القاضي أن تعريفه يختلف عن التعريف الأصولي من وجهين:
الأول: قصره مفهوم السُّنَّة على القول والفعل دون التقرير، بينما يعد الأصوليون التقرير جزءًا أساسيًّا منها؛ لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لا يسكت عما لا يجوز فعله؛ فيكون إقراره حجة شرعية.
الآخر: تحرزه من إدخال ما لم يثبت قطعًا في مفهوم السُّنَّة كأخبار الآحاد، مع أنها تمثل الشطر الأكبر من الأحاديث، أما الأصوليون فمع تنازعهم في إفادتها العلم أو الظن فإنهم لم يختلفوا في عدها قسمًا من أقسام السُّنَّة.