فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 584

المذكورة، دون الصفة والسيرة، والتي تضمنها تعريف المحدثين، وكأن الأصوليين رأوا أن القول والفعل والتقرير موضوعُ الاهتمام بالدرجة الأولى في عملية الاستنباط، فقصروا التعريف عليها دون غيرها من الأنواع التي اهتم المحدِّثون بتتبعها وتدوينها.

وتكتسب السُّنَّة عند علماء السلف المشتغلين بالعقيدة ومسائلها معنى جديدًا، إذ تطلق في مقابل البدعة، لتشمل ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: اعتقادًا، واقتصادًا، وقولًا، وعملًا (504) ، وإذا وصفوا الرجل بأنه صاحب سُنَّة أو سني فإنما يقصدون تمسكه بهذا المعنى من معاني السُّنَّة (505) .

وقد تأيد ذلك المفهوم العقدي والسلوكي بصنيعهم التطبيقي، حيث عنونوا لعدد من كتبهم التي دونوها في مجال العقيدة بكتب السُّنَّة، مثل: السُّنَّة للإمام أحمد (ت 241 هـ) ولولده عبد الله (ت 290 هـ) ولابن عاصم (ت 287 هـ) وللخلال (ت 311 هـ) وكتاب الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة من صحيح البخاري (ت 256 هـ) وكتاب السُّنَّة ضمن سنن أبي داود (ت 275 هـ) وغير ذلك الكثير.

والسُّنَّة بهذا المفهوم لا تقتصر على كونها دليلًا من أدلة الأحكام، أو نوعًا منها فحسب، وإنما تتسع النظرة إليها، لتصبح منهجًا متكاملًا يشمل العقيدة والسلوك، وسائر مناحي الحياة، أيًّا كان المصدر الذي يُستقى منه عناصر ومفردات هذا المنهج، فقد يكون قرآنًا، أو سُنَّة، أو أثرًا عن أحد الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.

وبعد عرض الاستعمالات السابقة يبقى التساؤل عن مفهوم السُّنَّة عند المعتزلة والأشاعرة، كممثلين للاتجاه الكلامي، وهل اصطلحوا على معنى خاص بهم، أو ارتضوا واحدًا مما تقدم ذكره من استعمالات؟

والذي يظهر من استقراء مواقف المدرستين أنهم آثروا المعنى الأصولي، وربما كان ذلك راجعًا إلى نوع تشابه في الوظيفة عند كلا الاتجاهين، حيث ينظرون إلى السُّنَّة كدليل تُستنبط منه الأحكام سواء أكانت أحكامًا علمية عقدية -كما هو الحال عند المتكلمين- أو عملية فقهية -كما هو الحال عند الأصوليين- وإن كان المتكلمون لم يعنوا كثيرًا بالوقوف عند قضية التعريف، اكتفاء بما في كتب الأصول؛ ولأنها ليست من صميم علم الكلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت