فهرس الكتاب

الصفحة 245 من 584

وهذه المعرفة تفتقر إلى العلم بالله موجودًا، قادرًا، حيًّا، مدركًا، سميعًا، بصيرًا، غنيًّا، عالمًا بصحة الأفعال المحكمة، ليس بحسم، ولا يفعل القبائح، فإذا صح عند العارف بالله عز وجل أنه لا يفعل القبيح، وعلم في الوقت ذاته أن الخبر يقبح إذا كان كذبًا والأمر يقبح إذا كان أمرًا بقبيح- وجب أن ينفي عن أخبار القرآن الكذب، وعن أوامره أن تتعلق بالقبيح، وبهذا يُعلم صحة الخبر عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم (1318) .

وانتهى القاضي بعد المقدمات السابقة إلى تحديد المجالات التي لا يجوز للسمع أن يدل عليها، وهي كل «ما لولا العلم به لما علم كونه دلالة؛ لأن ذلك يوجب كون الفرع دالًّا على أصله، وذلك يتناقض؛ لأن من حق الدلالة أن تكون كالأصل لما تدل عليه» (1319) ، وبعبارة أخرى أكثر وضوحًا: فإن كل ما افتقرت صحة السمع إليه وتوقف ثبوته عليه لا يصح أن يحتج به في تقريره أو إثباته؛ لأننا لو عولنا في معرفة الله على النقل المتوقف على تلك المعرفة وقعنا في الدور الممتنع، حيث يتوقف كلا الأمرين على صاحبه.

وهكذا، استقرت فكرة الدور في الأوساط الاعتزالية، وصارت نظرية متكاملة في ضبط الاستدلال بالسمع والاحتجاج بنصوصه، ولم يضف إليها تلامذة القاضي ومن أتوا بعده شيئًا جديدًا ذا بال، وإنما داروا في فلكه، وتتابعت نصوصهم في تأكيد تبنيهم لها، والتزامهم بنتائجها.

وهذا ما نجده عند أبي الحسين البصري، الذي صرح بأن العقل أسبق من السمع (1320) ، وهو الأصل الاعتزالي الرئيسي، الذي بنيت عليه الفكرة، ثم تكررت عنده الخطوات التي لا بد منها لإثبات صحة السمع، وإن كان يسلك طريقًا عكسيًّا في ذكرها، فيبدأ بآخرها ترتيبًا وهو معرفة صدق الأنبياء، حتى نصل إلى أولها وهو معرفة الله، ويجب تقديم هذه المعرفة قبل العلم بالشرع (1321) ، ومن ثم لا يجوز الاحتجاج بالسمع على واحد منها.

ويتشكل منهج النظر إلى الشريعة وعلومها عند الحاكم الجشمي وفقًا لفكرة الدور، متخذًا منها أساسًا لترتيب أنواع العلوم الشرعية، ولما كان شيئًا منها لا يصح إلا بعد معرفة الله وتوحيده وعدله وجب أولًا أن يُعرف الله تعالى بصفاته وعدله، ثم تُعلم النبوات، ثم الفقه، والشرائع، والحديث، والتفسير (1322) ، كذلك يشترط تقي الدين النجراني لصحة العمل بالدليل السمعي والاستدلال به- ألا يكون متوقفًا على دليل العقل في دلالته على المراد منه (1323) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت