فهرس الكتاب

الصفحة 244 من 584

على التأكيد والتقوية، فقال: «إن سائر ما ورد به القرآن في التوحيد والعدل ورد مؤكدًا لما في العقول، وأما أن يكون دليلًا بنفسه، يمكن الاستدلال به ابتداء فمحال» (1313) .

ثم خطا خطوة أخرى، فاشترط لمعرفة صحة السمع أن ينفي عن الله عز وجل فعل شيء من القبائح، إذ كل من جوَّز على الله فعل شيء منها فقد أغلق الطريق وسد الباب أمام إثبات صحة النبوة وصدق الرسول؛ ومن ثم صحة السمع (1314) ، وبهذه المقدمة جعل كل خصوم المعتزلة في باب أفعال العباد والصفات والمثبتين لها واقعين في تلك المشكلة، ولا يمكنهم بحال من الأحوال أن يستدلوا بالسمع على أية مسألة عقدية.

ووصلت الفكرة إلى صورتها النهائية -سواء من الناحية النظرية أو التطبيقية- على يد القاضي عبد الجبار، الذي كثيرًا ما لجأ إليها في صياغة استدلالاته أو مناقشة الخصوم، ثم هو لا ينسى خلال ذلك كله محاولة التخفيف مما يمكن أن تثيره من اعتراضات أو إلزامات في غاية الخطورة، حينما يصرح -تبعًا لمشايخه- بأن القرآن وأدلته ليسا بحجة في أصول العقيدة الرئيسية، ولا يتعدى دوره مجرد التعضيد لما ثبت بالعقل.

وفيما يتعلق بالأساس الأول -وهو أسبقية العقل على النقل وكونه أصلًا له- يسوق القاضي مصادر الأدلة، واضعًا العقل على رأسها، ومقدمًا له على ما سواه، ثم يعلل هذا التقديم بأن الله لم يخاطب إلا أهل العقل، وما عُرفت حجية الكتاب والسُّنَّة والإجماع إلا به (1315) ، ولولا صحة النظر لم يفد الكتاب ولا السُّنَّة، ولما وصلنا إلى صحة الخبر وصدق المخبر (1316) ، وتتوقف صحة النقل عنده على عدة أمور لا بد من تحقيقها ومعرفتها من قبل المكلف، حتى يتسنى له الاحتجاج بنصوصه، ومن لم يحققها -كمن يسميهم بالمجبرة- فلا يمكن لهم عقلًا الاستدلال بنصوص الوحيين أو الاعتماد عليها، وهذه الأمور ناشئة عن تصور اعتزالي معين لأصل الأدلة النقلية وهو القرآن، والذي لا يخرج عن كونه خبرًا، والخبر لا يُعلم صدقه أو كذبه من خلال صيغته وذاته، وإنما يُتوصل إلى ذلك من حال المُخبِر به، وبناء على تلك الحقيقة لا يمكن الاستدلال بالقرآن من حيث كونه خبرًا على ما يدل عليه إلا بعد معرفة أن قائله صادق في أخباره، وأنه لا تجري المعجزة على أيدي الكذابين (1317) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت