ووردت الفكرة بصورة أكثر وضوحًا واقترابًا من المفهوم الذي استقر لاحقًا عند القاسم الرسي الزيدي المعتزلى (ت 246 هـ) حيث ذكر أن هناك حججًا ثلاثًا، احتجَّ بها المعبود على العباد، وهي العقل والكتاب والرسول، والعبادة تنقسم إلى ثلاثة وجوه:
أولها: معرفة الله عز وجل.
والثاني: معرفة ما يرضيه.
والثالث: اتباع ما يرضيه واجتناب ما يسخطه.
فجاءت حجة العقول بمعرفة المعبود، وجاءت حجة الكتاب بمعرفة التعبد، وجاءت حجة الرسول بمعرفة العبادة، ثم انتهى إلى أن العقل أصل الحجتين الأخريين؛ لأنهما عُرفا به ولم يُعرف بهما (1309) ، ومن ثَمَّ فمعرفة الله عز وجل عقلية فحسب، وهذا هو الأساس الذي بنيت عليه فكرة الدور.
ويتكرر نفس المبدأ عند زيدي آخر، وهو يحيى بن الحسين، الذي يؤكد أن معرفة الخالق لا تدرك إلا بالعقل الصحيح والقلب النضيج (1310) .
ويبدو أن الفكرة قد ترسخت في المنهج الاعتزالي بصورة كبيرة، حتى صار بعض أئمته يذكرون الآثار المنهجية والنتائج المترتبة عليها دونما حاجة إلى التذكير بها، ومن هذا القبيل صنيع أبي القاسم البلخي، حيث قرر أن التوحيد والعدل لا يجوز أن يتغير الحكم فيهما بحال من الأحوال، ولا على لسان رسول من الرسل، ولا بقول أحد من السلف، ولا بوجه من الوجوه ولسبب من الأسباب (1311) ، وهذا الكلام صحيح في نفسه، ولا مجال لانتقاده، فمسائل التوحيد غير قابلة للنسخ، أو التغيير، ولكن مقصد البلخي هو أن تلك المسائل ثابتة عقلًا لا سمعًا، ويؤيد ذلك التوجيه ما توصل إليه فيما بعد، كواحد من آثار فكرة الدور، فما دام ثبوت التوحيد والعدل مبنيًّا وقائمًا على العقل لا السمع «لم يكن للأخبار فيهما عمل أكثر من تأكيد ما يوجبه العقل، أو يخبر به فيهما، والحث على التمسك بذلك» (1312) .
وعلى نفس المنوال، صرح أبو علي الجبائي بأخطر نتائج فكرة الدور، والمتمثلة في استحالة الاستدلال على مسائل التوحيد والعدل بالدليل النقلي، على سبيل الاستقلال، واقتصار وظيفته