فهرس الكتاب

الصفحة 242 من 584

أحدهما: باضطرار، وهو معرفة الله عز وجل، ومعرفة الدليل الداعي إلى معرفته.

والآخر: باختيار واكتساب، وهو ما سوى معرفة الله من العلوم الواقعة عن الحواس، أو القياس.

وتترتب المعارف لدى العلاف على نحوٍ تأتي فيه معرفة الإنسان بنفسه أولًا، ثم معرفة التوحيد والعدل، وجميع ما كلفه الله به، وأخيرًا، معرفته بما لا يُعرف إلا بالسمع من جهة الأخبار (1307) ، ومن الواضح أن معرفة الإنسان بنفسه بدهية، لا تحتاج إلى تعليم أو جهد يُبذل في تحصيلها، وأما معرفة الله فالعلم المؤدي إليها ضروري، ولا تختلف فيه العقول؛ لأن معرفته سبحانه على وجه الجملة من كمال العقل، الذي لا يجوز أن تدخله شبهة ألبتة بحال من الأحوال.

وبناءً على الترتيب المتقدم يرى أبو الهذيل أن الواجب على كل أحد في الحال الثانية من معرفته بنفسه أن يأتي بجميع معارف التوحيد والعدل بلا فصل، وكذا معرفة جميع ما كلفه الله تعالى بفعله، حتى إنه إن لم يأت بذلك كله في الحال الثانية من معرفته بنفسه، ومات في الحال الثالثة- مات كافرًا، وعدوًّا لله تعالى، ومستحقًّا للخلود في النار، وأما معرفته بما لا يُعرف إلا بالسمع من جهة الأخبار فعليه أن يأتي به فور سماعه للخبر، الذي يكون حجة قاطعة للعذر (1308) .

وبهذه النظرة المعرفية يكون العلاف -وإن خالفه متأخرو المعتزلة- قد مهَّد الطريق للفصل بين مجالين من المسائل:

أحدهما: الأصول، ومعرفتها تحصل ضرورة بعد وجود النظر.

والآخر: السمعيات، والتي تجب في مرحلة لاحقة على تقرير النوع الأول، وتعتمد عليه.

ومعلوم أنه لا يمكن الاحتجاج بالنقل على مسائل الأصول؛ إذ العلم بها واقع على سبيل اللزوم والضرورة، وهذا الفصل بين الأصول والسمعيات وامتناع الاحتجاج بالنقل على النوع الأول وجوازه في الثاني- سوف يتطور فيما بعد ليصل إلى الصورة النهائية لفكرة الدور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت