البصري، ثم تركز آرائهما حول موضوع الصفات وحكم مرتكب الكبيرة، وحتى في هذه المسألة الأخيرة حاول واصل في مناظرته لعمر وبن عبيد أن يستدل عليها بأدلة من الكتاب والسُّنَّة والإجماع (1301) ، كما يمكن أن نستشف من تقديم واصل للكتاب والسُّنَّة، وتأخير العقل في سياق تعداده لمصادر الأدلة (1302) - عدم تقبله لفكرة أن العقل أصل النقل، وهي الأساس الجوهري الذي بنيت عليه الدور عند المعتزلة فيما بعد.
وصحيحٌ أن واصلًا وعمرًا في تعاملهما مع الأدلة النقلية لم يتخلصا من الإسراف في التأويل وتضعيف الدليل -إن كان خبر آحاد- أو صرفه عن ظاهره ليتوافق مع العقل ومقرراته، لكن ذلك لم يرق لأن يكون موقفًا منهجيًّا مُؤَسَّسًا على قواعد واجبة الاتباع، ولم يكن الفكر الاعتزالي قد وصل حينذاك إلى مرحلة البنيان العقلي الصارم، وبلورة الأسس المنهجية، التي ينظر من خلالها إلى أنواع الأدلة، نقلية كانت أو عقلية.
وقد بدأت بذور الفكرة في الظهور على يد أبي الهذيل العلاف (ت 235 هـ) والذي عدَّه الكثيرون من مؤرخي الفرق القدامى، أو الباحثين المعاصرين، أو متكلم اطلع على الفلسفة، ووقف على نتائجها، وتأثر بآرائها، ثم حذا حذوها بصورة أو بأخرى في عدد من مقولاته وآرائه (1303) ، وخطا الفكر الاعتزالي بواسطته خطوات حثيثة نحو الاقتراب من التراث الفلسفي (1304) ، مما عمل على ازدياد الاعتماد والتعويل على العقل، وشيوع النزع العقلية من جانب، وقلة الاعتماد على السمع وأدلته من جانب آخر.
كما أن لأبي الهذيل باعًا طويلًا في مجالدة أهل الملل المخالفة ومناظرتهم، منذ حداثة سنه، وثمة قصص حُكيت عنه، وفيها يقوم بجدال طوائف من المجوس واليهود والشكاك وغيرهم من سائر أعداء الإسلام، وله عدد من المصنفات في هذا المجال (1305) ، ولا يخفى مدى الأثر المهم الذي أحدثته جهود المتكلمين في مناظرة غير المسلمين، ومحاولة بحثهم عن منهجٍ في الجدال يتناسب مع أناس لا يقرون بالإسلام ولا يصدقون بكتابه أو رسوله، مما دفعهم إلى تنحية أدلة السمع، والاحتجاج بالأدلة العقلية وحدها.
وإذا حاولنا تلمس أصول الفكرة عند العلاف فسنجد أن أبرز آرائه المتعلقة بهذا الصدد ما انتهى إليه من أن المعارف ليست ضرورية كلها، ولا كسبية كلها، وإنما هي على ضربين (1306) :