فهرس الكتاب

الصفحة 185 من 584

المذهب الأول: ويرى أصحابه أن حجية الإجماع قطعية، وعليه أكثر القائلين بكونه حجة -أو جمهورهم- واختاره جل المعتزلة والأشاعرة، وممن نص على ذلك: أبو الحسين البصري (1061) ، والجويني (1062) ، والشيرازي (1063) ، والغزالي (1064) ، والسبكي (1065) ، وغيرهم (1066) .

وقد احتج أصحاب هذا المذهب بأمور منها: الاتفاق على تقديم الإجماع على ما سواه من الأدلة الأخرى، وتأثيم من فرَّق عصا الجماعة من المسلمين، كما أن العادة تحيل اجتماع هذا العدد من أفاضل المسلمين وعلمائهم على القطع في حكم ما إلَّا عن نص قاطع ينفي أدنى احتمال للارتياب فيه؛ حيث عُلم بالتجربة والتكرار من أحوالهم وفتاواهم علمًا ضروريًّا أنهم ما كانوا يقطعون بشيء إلَّا ما كان كالشمس في رابعة النهار، ويترتب على هذا القول إفادة الإجماع للعلم والعمل، وإمكانية الاستدلال به على أمور العقيدة ومسائلها (1067) .

المذهب الثاني: ويميل أصحابه إلى أن الإجماع حجة ظنية مطلقًا، وقد قال به جماعة من أئمة الأشاعرة؛ كالرازي، والآمدي، والبيضاوي، والأرموي (1068) ، واستدلوا على مذهبهم بأن آيات القرآن الكريم في دلالتها على حجية الإجماع من قبيل الظواهر التي لا تعدو مرتبة الظنية، والأحاديث الواردة في هذا الشأن لا تفيد التواتر المعنوي؛ بل هي آحاد، وما دام أصل ثبوت الإجماع إنما تقرر بحجج وأدلة ظنية، فهو ظني من باب أولى؛ لأن الدليل القطعي لا يثبت بحجج ظنية (1069) .

لكن من السهل أن يجاب على هذه الحجة بأنه حتى مع التسليم بكون الآيات الدالة على حجية الإجماع من قبيل الظواهر والأحاديث أحادية، فإن مجموع تلك الأدلة وتضافرها على إثبات معنى واحد يصل بها إلى مرحلة القطعية، والدليل الظني إذا احتفت به القرائن ربما ارتقى إلى مرتبة القطع، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك في الحديث عن أخبار الآحاد المحتفة بالقرائن، وكم من إجماعات لا يمكن التشكيك في قطعيتها، ولم يخالف مسلم في ثبوتها، مع أنها معتمدة على أخبار الآحاد؛ كتحريم الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها، وتوريث الجدة السدس، وغير ذلك من الأمثلة الكثيرة (1070) .

المذهب الثالث: وقد اختاره بعض أئمة الأشاعرة (1071) ؛ حيث فرَّقوا بين ما اتفق عليه العلماء المعتبرون فيكون حجة قطعية، وما اختلفوا فيه -كالإجماع السكوتي- وما ندر مخالفه فيكون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت