(أ) فالمتواتر اللفظي: يراد به ما تواتر لفظه ومعناه؛ بأن جاءت الروايات الكثيرة المتعددة مشتملة على نفس الألفاظ، ويُغتفر التفاوت اليسير بينها، ما دام المعنى متفقًا عليه (621) ، ومن أشهر أمثلته حديث: (( مَنْ كذب عليَّ متعمدًا، فليتبوأ مقعده من النار»(622) حيث رُوي عن بضعة وسبعين صحابيًّا، بنفس الألفاظ تقريبًا.
(ب) والمتواتر المعنوي: هو ما تواتر معناه دون لفظه، وصورته: أن ترد الأخبار التي رواها جمع كثير، متضمنة وقائع مختلفة؛ ولكنها تشتمل على قدر مشترك بين جميع تلك الروايات؛ كمعجزات النبي صلى الله عليه وسلم الحسية التي وردت بشأنها وقائع كثيرة مختلفة التفصيلات، ولكنها جميعها تُثبت حصول معجزات حسية سوى القرآن.
وتكتسب فكرة التواتر المعنوي أهمية كبرى؛ إذ توسع من دائرة الأحاديث التي يحكم عليها بالتواتر وإفادة العلم، فلا تقتصر على ما تواترت ألفاظها فحسب؛ بل تشمل إضافة لذلك عددًا كبيرًا من الأحاديث التي تتابعت النصوص في إثباتها والدلالة على معانيها؛ كرؤية الله تعالى في الآخرة، والشفاعة، وأمثال ذلك مما لم تتواتر آحاده؛ بل تواتر باعتبار المجموع.
وقد اعترف المعتزلة والأشاعرة بوجود هذا النوع على المستوى النظري، كما استخدموه بالفعل في إثبات بعض المسائل؛ كاستدلالهم على حجية الإجماع بعدد من الأحاديث الآحادية، التي تندرج بمجموعها ضمن المتواتر المعنوي، وقد حكى القاضي عبد الجبار أن هذا مذهب شيخه أبي علي الجبائي ووافقه في الرأي (623) ؛ ولكنه أحس بإشكال يحتاج إلى جواب مقنع، إذ كيف يُستدل على إثبات أصل من الأصول الشرعية كالإجماع بأخبار لا تعدو درجة الآحاد عندهم، ومن ثم لجأ إلى فكرة التواتر المعنوي، مشيرًا إلى أن نقل المعنى «يغني عن نقل اللفظ ويتبعه؛ إذ اللفظ إنما يراد لتُعرف به المقاصد، فإذا عُرفت فتتبع اللفظ لا وجه له» (624) واتفق أبو الحسين البصري مع شيخه القاضي في نفس الفكرة (625) ، وإن كان التطبيق العملي للمعتزلة تجاه المتواتر المعنوي قد شابه كثير من التردد، سنعرض له فيما بعد إن شاء الله تعالى.
والأشاعرة بدورهم يسلمون بفكرة التواتر المعنوي، وقد نَبَّه الآمدي إلى جواز الاستدلال بأخبار الآحاد في إثبات حجية الإجماع؛ لأنها «مع اختلاف ألفاظها، وكثرتها تنزل منزلة التواتر في