فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 584

ويتميز البحث في هذه المسألة بأهمية عملية، ذات آثار خطيرة، فمهما قيل عن حجية الأحاديث المتواترة، وإفادتها العلم، فإن ذلك كله لا يعدو أن يكون كلامًا نظريًّا، ومحك التطبيق الحقيقي هو كم الأحاديث التي ينطبق عليها هذا الوصف، وإلا فأي فائدة تترتب على إثبات الحجية نظريًّا، ثم تفريغ مضمون هذا الاعتراف، بأن يقال إن المتواتر نادر الوجود، وعسير المنال، ويصعب تحقق شروطه سوى في عدد قليل من الأحاديث، لا تتجاوز أصابع اليدين، بله أصابع اليد الواحدة؟

وإذا أضيف لذلك ما هو معلوم من مذهب جل المتكلمين، أن العمل في العقائد على الأحاديث المتواترة وحدها، ولا مجال مطلقًا للآحاد، فينتج من المقدمتين السابقتين أن السُّنَّة كمصدر معتمد في الاستدلال العقدي تنحصر في كمية الأحاديث التي ينطبق عليها وصف التواتر، وإذا كانت معدومة، أو على أحسن الأحوال نادرة، فالمحصلة النهائية هي أن السُّنَّة ليس لها مجال حقيقي في الاستدلال على مسائل العقيدة، ومن ثَمَّ فدور السُّنَّة يتناسب طرديًّا وعكسيًّا مع عدد الأحاديث المتواترة؛ ولذا كان من اللازم أن نتوقف عند تلك القضية المهمة، وثمة اتجاهات متباينة حولها، ويمكن إجمالها فيما يلي:

الاتجاه الأول:

ويرى أصحابه ندرة الحديث المتواتر، وعزة وجوده، حتى إن من سُئل عن إبراز مثال له أعياه تطلبه، وممن مال إلى ذلك ابن حبَّان (633) (ت 354 هـ) والحازمي (634) (ت 584 هـ) وابن أبي الدم (635) (ت 642 هـ) وابن الصلاح (636) (ت 643 هـ) والنووي (637) (ت 676 هـ) .

الاتجاه الثاني:

ويرى أصحابه أن المتواتر ليس نادرًا ولا معدومًا؛ بل له أمثلة كثيرة، وأرجعوا مقالة الفريق الأول إلى أن نفيهم لوجود المتواتر منصب على اللفظي لا المعنوي، أو أن ذلك -كما أشار ابن حجر- ناشئ عن قلة الاطلاع على كثرة الطرق، وأحوال الرجال، وصفاتهم المقتضية لإبعاد العادة أن يتواطئوا على كذب، أو يحصل منهم اتفاقًا (638) ، وممن ذهب إلى هذا الاتجاه: ابن الجوزي (639) ، وابن تيميَّة (640) ، وابن القيم (641) ، والعراقي (642) ، وابن حجر (643) ، والسخاوي (644) ، والسيوطي (645) ، والزبيدي (646) ، وغيرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت