فهرس الكتاب

الصفحة 187 من 584

أما الإجماع فمشكلته أعقد بكثير، فأين هم الرواة الذين يجوبون الأقطار بحثًا عن المجتهدين، واستطلاعًا لآرائهم حول هذه المسألة أو تلك؟ ثم هل يمكن أن يبلغوا عدد التواتر، وأن يكون الآخذون عنهم على هذه الصفة، وهلم جرًّا حتى نصل إلى عصر تدوين مسائل الإجماع، ولا سيما إذا وضعنا في الاعتبار أن الذي بين أيدينا من المؤلفات المعنية بحصر المسائل المجمع عليها -كـ «الإجماع» لابن المنذر، أو «مراتب الإجماع» لابن حزم- لا تنقلها بالأسانيد المتصلة إلى قائليها، كما هو الحال في نصوص السُّنَّة، وإنما يكتفي الواحد منهم بعزوها إلى الأمة ككل، وتبقى العهدة عليه وحده في حكايته لذلك الإجماع؟

ولا تعني الصعوبات المشار إليها التشكيك في إثبات الإجماع أو إمكانية نقله مثلما فعل البعض (1074) ممن أشرنا إليهم فيما مضى، كما لا يخفى إن الإجماعات المشهورة المعروفة على ما هو معلوم من الدين بالضرورة قد تتابع على نقلها وحكايتها جُل أهل العلم في سائر العصور، ولكن الغالبية العظمى من مسائل الإجماع لم تُنقل إلَّا برواية الآحاد، مما يدعونا إلى النظر في موقف المعتزلة والأشاعرة من الإجماع المنقول بهذه الصفة، ومدى الاعتداد به في الأصول أو الفروع.

وقد اختلف أئمة المذهبين في قبول الإجماع المنقول بأخبار الآحاد؛ فذهب جمع منهم إلى أنه ليس بحجة، وعمدتهم في ذلك أن ما يقع الإجماع عليه يجب أن يشيع نقله ويتواتر من طريق العادة، كما أن ما تعم به البلوى من الحكم يجب أن يشيع نقله وتتواتر حكايته، فإذا لم ينقل الإجماع عدد كبير يصلون إلى مبلغ التواتر دلَّ ذلك على عدم صحته، كما يرون أن الإجماع دليل قطعي، وأخبار الآحاد لا تفيد إلَّا الظن، ولا يصح إثبات القطعي بطريق غير يقيني.

وممن اختار هذا المذهب أبو عبد الله البصري (1075) (ت 369 هـ) شيخ القاضي عبد الجبار، ومال إليه من الأشاعرة كلٌّ من: الباقلاني (1076) ، وأبو جعفر السمناني (1077) ، والجويني (1078) ، والغزالي (1079) ، وجماعة من الحنفية والشافعية (1080) ، ونسبه الرازي (1081) والزركشي (1082) إلى جمهور العلماء.

واختار آخرون القول بحجيته، مستدلين بعموم الأدلة المجوِّزة للعمل بالظواهر والظنيات، وبأن الإجماع نوع من أنواع الحجج الشرعية فيجوز التمسك بمظنونه كما يجوز بمعلومه، قياسًا على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت