تحقق هذا الفرض النظري فما كان لمشكلة التعارض أن تظهر؛ لأن الوسيلة لا تتعارض مع الغاية؛ بل هي تابعة لها وفرع عنها.
ولكن كثيرًا من المتكلمين كانوا يعتقدون الرأي أو المذهب، ويتبنونه أولًا عن طريق النظر العقلي، ثم يبحثون في مرحلة لاحقة عن الأدلة النقلية التي تنصره، وعندئذٍ كانوا يواجَهون بنصوص لا تتفق مع آرائهم بل تخالفها، ومن ثَمَّ أحسوا بمشكلة التعارض، وبدءوا في محاولة إيجاد حل لها، وتقعيد قانون يضبط التعامل مع نصوص النقل وما يستفاد من ألفاظه.
ويبقى تساؤل مهم عن أسباب تعرض المتكلمين لبحث العلاقة بين النقل والعقل، وهل هي أسباب إسلامية خالصة النشأة والطابع، وناتجة -كما يرى بعض الباحثين (1631) - عن حثِّ القرآن العقولَ على تدبر ما في الكون من آيات، ودعوته إلى استخدامها من أجل الوصول إلى الإيمان، وبالتالي كانت جهودهم في نطاق الشرع تمامًا، وغير متأثرة بالفلسفة ومحاولات التوفيق بينها وبين الدين؟
أظن أن مثل هذا التعليل إن صدق على فترة البدايات الأولى، والتي اقترنت مع نشأة علم الكلام، فلا ينطبق تمامًا على المراحل التالية، وصحيح أن للمشكلة جذورًا عند متكلمي المعتزلة الأوائل؛ كواصل، وعمرو، وصلة هؤلاء بالفلسفة والتراث الإغريقي المترجم لم تقم عليها دلائل واضحة؛ لكن يلاحظ من جهة أخرى أن تطور المسألة، ومحاولات تقعيدها على صورة ضابط أو قانون كلي، ووجود أقوال مغالية جدًّا في تقديم العقل على النقل اقترن بنفرٍ من المتكلمين تأثروا بالفلسفة تأثرًا واضحًا، واشتغلوا بها؛ بل ربما ألَّفوا في عددٍ من موضوعاتها.
ولعل صلة كلٍّ من أبي الهذيل العلَّاف، والنظَّام، والرازي بالفلسفة وتراثها من الأمور الواضحة، مما يؤكد على أن المشكلة الموجودة في التراث الفلسفي قد أثرت بطريقة أو بأخرى على رأي بعض المتكلمين، لا سيما في الفترات التي اختلط فيها الكلام بالفلسفة، وتمازجت المباحث في كلا العلمين حتى صار من العسير التفرقة بينهما.