فهرس الكتاب

الصفحة 314 من 584

المذكورة، وليدفعوا التهم الموجهة إليهم، وليزيلوا ما لعله يطرأ في نفوسهم من تعارض بين الدين الذي اعتنقوه والفلسفة التي فُتنوا بها- أن يتخذوا منهجًا عامًّا هو منهج التوفيق بين الدين والفلسفة.

وبناءً على ذلك أصبح العقل في المدرسة الفلسفية محصورًا بين نصين مقدَّسين في عُرفها؛ وهما: النص الإسلامي، والنص الإغريقي، وصارت وظيفة العقل هي التوفيق بينهما وإزالة ما يوجد من تعارض واختلاف، ولا شك أنها وظيفة شاقة وعسرة؛ لأنها تحاول التوفيق بين نصين غير متكافئين، فالفلسفة الإغريقية نص بشري قابل للنقد والرفض والخطأ، والدين نص إلهي منزه عن ذلك كله (1628) .

والغريب أن محاولات التوفيق ساوت بينهما في الدرجة، وطلبت من العقل تحقيق الاتساق والوحدة، ومعلوم أن أية محاولة للتوفيق بين طرفين تقتضي من كلٍّ منهما شيئًا من التنازل عن بعض أصوله وثوابته، والالتقاء مع الطرف الآخر في منتصف الطريق، وإذا أمكن هذا للفلسفة -لأنها نتاج العقل البشري- فليس ممكنًا فيما يتعلق بالدين إلَّا بتأويل نصوصه، وتفسيرها بصورة رمزية تتحقق معها الغاية المذكورة، وهذا ما حدث في تفسير الفلاسفة لخلق العالم، وإثبات الصانع وصفاته؛ حيث ظهرت نظريات الفيض، والأفلاك العشرة، والعقل الفعال، وغير ذلك الكثير، وعليه فإن التوفيق كان على حساب الدين، ولم تخسر الفلسفة شيئًا (1629) .

وقد وُجدت المشكلة عند المتكلمين مع تغير في المسمى، فبدلًا من مصطلح الدين والفلسفة، أو الحكمة والشريعة، صار التعبير الأشهر هو النقل والعقل، وتضافرت عدة أسباب كانت الدافع وراء اهتمامهم بهذا الموضوع، لعل أبلغها أثرًا ما يرجع إلى طبيعة علم الكلام نفسها، فهو -كما أشرنا من قبل- يعمل على نصرة النقل وما تضمنه من عقائد بالعقل وبراهينه، ويدفع عنه شُبه الخصوم، ومن شرطه كما يقول طاش كبرى زاده: «أن يكون القصد فيه تأييد الشرع بالعقل، وأن تكون العقيدة مما وردت في الكتاب والسُّنَّة، ولو فات أحد هذين الشرطين لا يسمى كلامًا أصلًا» (1630) .

وبناءً على ذلك فالمفترض في المتكلم أن يكون دائرًا بين النقل والعقل، غير منفكٍّ عنهما، فإذا كانت وسيلة احتجاجه هي العقل وأدلته، فلا بد من ضبطها داخل إطار النقل ومقرراته، ولو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت