معرفتها بطريق يقيني غير ممكن، ونحن نقطع بأن الشرع لم يتسامح في هذه الأحكام على نحو يسوِّغ تركها وعدم امتثالها- فليس أمامنا إلا الأخذ بأحد الاحتمالات التالية:
(أ) الاحتياط التام، والإتيان بكل ما هو مظنون ومشكوك وموهوم؛ ليحصل للمكلف الموافقة للعلم الإجمالي المذكور.
(ب) ترك ذلك كله، والرجوع إلى البراءة الأصلية.
(جـ) التقليد والسير وراء التشهي والترجيح بدون مرجح.
(د) العمل بموجب الظن الراجح، الذي تضافرت الأدلة الشرعية على إثباته.
ولا يخفى أن الاحتمالات المتقدمة جميعها غير صحيح سوى الاحتمال الأخير، فالاحتياط التام فيه من الحرج والتعسير بما لا يمكن للمكلف احتماله، والترك الكلي يوقع المكلف في الإثم يقينًا، والتقليد والتشهي مذمومان في الشرع بما فيه الكفاية، فما بقي إلا التعويل على الظن الراجح الذي يغلب احتمال الصواب فيه على الخطأ.
ولا خلاف بين أئمة المعتزلة -سوى قلة ضئيلة- على وجوب العمل بالدليل الظني في الأحكام العملية، وموقفهم من التعبد بالقياس وخبر الواحد دليل واضح في هذا الصدد، بل إن القاضي عبد الجبار يتوسع في هذه المسألة ويرى أن أكثر التكاليف دينًا ودنيا تتعلق بالظنون (1532) ، وأكثر العبادات الشرعية مبنية على الظن (1533) ، لتعذر وصول المرء إلى العلم، فأقيم الظن مقامه، ثم يترتب على ذلك -تبعًا لمذهب المعتزلة في الصلاح والأصلح واللطف- أن من الواجب على القديم عز وجل «تمكين المكلف من الأمارات فيما لا يوصل إليه إلا بطريق ظني، كما لزم تمكينه من الأدلة فيما وجب تحصيل العلم به» (1534) .
ولكن القاضي يعود فينبه إلى أمرٍ في غاية الأهمية؛ حيث يفرق بين ظنية الطريق الموصل إلى العلم بالمسألة وقطعية العمل بها، فالمكلف حينما يأخذ بدليل ظني في الفقهيات لا يكون حينئذٍ عاملًا بالظن؛ فإن الأحكام الشرعية لا تكون مظنونة قطُّ، وإنما الظن يدخل في طريقة حصولها، ويدلل على صحة قوله بأن حصول غلبة الظن في وجود نفع أو دفع ضرر توجب حسن الأخذ أو