لزوم التحرز، وهكذا الحال في الأحكام الشرعية، فالمكلف إذا غلب على ظنه أن هذا حكم الله ويلزم من تركه العقاب ومن فعله الثواب- لزمه العمل به وامتثاله (1535) .
وأئمة الأشاعرة مع اتفاقهم على وجوب العمل بالدليل الظني في الأحكام العملية اختلفوا في مقدار الظنيات التي يشتمل عليها الفقه، فذهب الرازي إلى أن الفقه في حقيقته من الظنيات وليست القطعيات داخلة فيه، ومن ثم أخرج منه الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، كالعلم بوجوب الصلاة والصيام وما أشبه ذلك، وقد خالفه جمهور أصحابه، ورأوا أن الفقه يشتمل على المعلوم والمظنون، وهو مذهب الباقلاني والجويني والآمدي (1536) .
ومن خارج الدائرة الكلامية نجد أن ابن تيميَّة مع اعترافه باشتمال الفقه على الظني والقطعي ينتقد بشدة مسلك المتكلمين حينما يعظمون من أمر علم الكلام، ويجعلون مسائله قطعية، بينما يوهنون من أمر الفقه ويعدونه من باب الظنون؛ مما أدى إلى وقوع كثير من الآثار غير الحميدة التي عملت على الغض من مكانته عند بعض الناس؛ لأن النفوس تميل بطبعها إلى طلب ما هو يقيني وتنفر مما هو مظنون، ثم يشير إلى ذكر جميع الفقهاء في مصنفاتهم عددًا لا يُستهان به من الأحكام المقطوع بثبوتها، كوجوب الصلاة وبقية مباني الإسلام، وتحريم الخمر والزنى والسرقة والقتل والفواحش مطلقًا، وأما ما سواها من المسائل فيمكن الوصول إلى العلم بها، وإن لم يكن متيسرًا لكل أحد، وهناك فرق واضح بين علم الخاصة والعامة، فكثير من العلماء يعلمون بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد للسهو وقضى بالدية على العاقلة وأن الولد للفراش، وأكثر العامة ربما خفي عليهم ذلك، ثم ينتهي ابن تيميَّة إلى أن كثيرًا مما يعتبره بعض أهل العلم مظنونًا إنما هو باعتبار فهمهم له، وإلا فإنه من المعلوم عند غيرهم، كما أن أكثر الأفعال أحكامها معلومة وإن وقع الظن في طريق العلم بها عند غير أهل الشأن من المتخصصين (1537) .
ونخلص مما تقدم إلى اتفاق الجميع على أن الأحكام الفقهية تشتمل على المقطوع والمظنون، ويجب العمل بالدليل الظني فيها، وإن كان الظن إنما يلحق طريق العلم بالمسألة المعينة؛ وأما العمل بموجبها فهو ثابت قطعًا لاستناده إلى أدلة كثيرة تصل بمجموعها إلى حد التواتر المفيد للعلم اليقيني، ويبقى ما نُسب إلى نفر من المعتزلة والخوارج من رفض العمل بالدليل الظني، وذهب بعضهم إلى استحالته عقلًا (1538) ، وقد اعتمد من عزا إليهم هذا المذهب على ما ذكروه