فهرس الكتاب

الصفحة 290 من 584

من منع التعبد بالقياس وخبر الواحد، وسبق أن ذكرنا أسماء المعتزلة القائلين بذلك في الكلام عن حجية أخبار الآحاد، كما يُعدُّ النظَّام أبرز الذين نفوا حجية القياس ومنع من الاعتماد عليه في إثبات الأحكام الشرعية (1539) .

واحتج هؤلاء النفر (1540) بأن الدليل الظني محتمل للصدق والكذب، ولما كان العمل به موجبًا للتحليل والتحريم ولا يؤمن أن يكون ما أخبر بحليته حرامًا أو العكس- تعين على المكلف أن يتركه بالكلية ويبحث عما سواه من الأدلة القطعية، فإن تعذر عليه ذلك تمسك بالبراءة الأصلية، وخلت ذمته من أي تكليف، وكذلك ساقوا ضمن أدلتهم عددًا من الآيات والأحاديث الناهية عن اتباع الظن، والتي تذم من عول عليه في إثبات الحقائق، كقوله تعالى: {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس} [النجم: 23] ، وقوله: {وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا} [النجم: 28] وقوله: {ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: 36] ، وغيرها من الآيات، التي خرجوا من خلالها بأن الظن مذموم كله، ولا يصلح للحجية في مجال الأصول أو الفروع.

ولا يبدو الرد على الحجج التي اعتمدوا عليها صعبًا أو عسيرًا، فالظن المذموم والمنهي عنه في الكتاب والسُّنَّة يُقصد به الظن المحض والمرادف للشك، والذي لا يوجد دليل قاطع على اعتباره، وكذلك الظن الذي يتم الترجيح فيه بالتشهي والهوى، ويغلب جانب الخطأ فيه على جانب الصواب، وأما الظن الراجح المعتمد على أدلة تقويه وتعضده وتشهد له أصول الشريعة ومقاصدها فهو ظن معتمد ومقبول.

ويمكننا أن ندرك الفرق بين نوعين من الظن؛ أحدهما: مقبول، والآخر: مردود عن طريق استقراء موارد هذه اللفظة، وكيفية استعمالها في القرآن الكريم؛ حيث ورد الظن على عدة أوجه (1541) :

(أ) ظن مذموم لا يصح العمل به، كما في قوله تعالى ردًّا على النصارى المختلفين في شأن المسيح عليه السلام: {وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا} [النساء: 157] وقوله تعالى: {وما يتبع أكثرهم إلا ظنا} [يونس: 36] وقوله: {قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت