فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 584

مكانها نزعة عقلية واضحة، ولن نطيل في مناقشة أي المرحلتين كانت أولًا، أو لا فرق بين المرحلتين أصلًا، ونكتفي بشهادة أشعرية، وأخرى من خارج المذهب الأشعري، تبيِّن منهج أبي الحسن العام وعلاقته بالسُّنَّة والحديث.

فمن داخل المذهب، يقول أبو القاسم القشيري (ت 465 هـ) : «اتفق أصحاب الحديث أن أبا الحسن علي بن إسماعيل الأشعري رضي الله عنه كان إمامًا من أئمة أصحاب الحديث، ومذهبه مذهب أصحاب الحديث، تكلم في أصول الديانات على طريقة أهل السُّنَّة، ورد على المخالفين من أهل الزيغ والبدعة، وكان على المعتزلة، والروافض، أو المبتدعين من أهل القبلة، والخارجين عن الملة -سيفا مسلولًا، ومن طعن فيه، أو قدح، أو لعنه، وسبه، فقد بسط لسان السوء في أهل السُّنَّة» (588) ويتكرر هذا المعنى عند عدد من أئمة الأشاعرة الآخرين كالسبكي (589) وأبي علي السكوني (590) .

ومن خارج المذهب نجد ابن تيميَّة يثني في مواضع عديدة من كتبه (591) على الأشعري لموافقته أهل السُّنَّة والحديث في المعتقد، ومع أنه ينتقده في بعض ما وقع فيه من تأثيرات كلابية، إلَّا أنه يصفه بكونه «أجل المنتسبين إلى الإمام أحمد، ونحوه، المنتصرين لطريقته» (592) ويفضله على كثير من المتأخرين الحنابلة (593) ، ويذكر حرصه على نصرة مذهب أهل الحديث «فهو دائما ينصر -في المسائل التي فيها النزاع بين أهل الحديث وغيرهم- قول أهل الحديث» (594) وإن كان ثمة اختلاف في تصوره لحقيقة مذهبهم في بعض المسائل؛ كمفهوم الإيمان، وأفعال العباد، والصفات الفعلية.

وأخيرًا، فصنيع الأشعري ومنهجه في الاهتمام بالسُّنَّة، والحرص على الانتساب إليها، والمنافحة عنها، يُعد أبلغ عرض لمواقفه من حجيتها، وصحيح أن من جاءوا بعده -لا سيما متأخري المذهب- لم يبلغوا مبلغه في العناية بالسُّنَّة احتجاجًا وانتسابًا، بيد أنه لم يوجد من بينهم من شكَّك في حجيتها، أو قلل من قيمتها، وإن تفاوتت درجة الاستشهاد بها من مرحلة إلى أخرى، فطبقة الأشعري وتلامذته الأوائل كثيرو الاحتجاج والإيراد للأحاديث والآثار في كتبهم الكلامية، ثم مع تطور المذهب، وتأثره بالاعتزال والفلسفة، قَلَّت تلك الظاهرة؛ حتى كادت كتب المتأخرين تخلو من الاستشهاد بالحديث، سوى بعض مباحث السمعيات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت