فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 584

نُصرة السُّنَّة، ثم خروج أبي الحسن منها وقد عزم على ذلك «فاستيقظ، وقال: ما بعد الحق إلَّا الضلال، وأخذ في نصرة الأحاديث في الرؤية، والشفاعة، وغير ذلك» (579) .

وقد تتابعت نصوص الأشعري في تأكيد انتسابه لعقيدة أهل الحديث ومذهبهم، وحثه على السنة، والدفاع عنها، فخطبة «الإبانة» تشدد على اتباع السُّنَّة، والتحذير من مخالفتها، وبعد أن ينكر على المناهج المخالفة لها، يحدد المنهج الذي اختاره وارتضى سلوك طريقته فيقول: «قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها، التمسك بكتاب الله ربنا عز وجل، وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وما رُوي عن السادة الصحابة، والتابعين، وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون» ، ثم يؤكد موافقته وانتسابه للإمام أحمد بن حنبل في كل ما يقول به؛ لأنه في نظره الإمام الفاضل والرئيس الأكمل (580) .

وفي كتابه «المقالات» بَيَّنَ مذهب أهل الحديث، وعرضَ آراءهم، ثم عَقَّب بما يدل على موافقته على كل ما يذهبون إليه، فقال: «وبكل ما ذكرناه من قولهم نقول، وإليه نذهب» (581) وكلما ورد ذكر أهل السُّنَّة عنده وصفهم بأحسن النعوت، ولقبهم بأطيب الألقاب، فقد سماهم بأهل السُّنَّة والاستقامة (582) ، وأهل الحق (583) ، وأهل الحديث، وأهل السنة، وأصحاب الحديث (584) ، وأهل الجماعة (585) .

وتظهر لديه سمة منهجية يندر أن توجد عند أحد من أصحابه سوى المحدثين منهم، فقد استشهد في كتبه -ولا سيما «الإبانة» - بعدد وافر من الأحاديث، وليس هذا موضع التعجب؛ وإنما المستغرب هو طريقته في إيرادها؛ حيث عُني عناية فائقة بسياق تلك الأحاديث بأسانيدها (586) ، ويكاد الفصل الذي عقده للكلام عن القرآن (587) ، يكون كله روايات منقولة عن علماء الأثر، حتى إن مطالع هذا الفصل يظن أنه يقرأ في أحد كتب المحدثين المصنفة في العقيدة؛ مثل «السُّنَّة» للإمام أحمد، أو ابنه عبد الله، أو «الشريعة» للآجري، أو غيرها من الكتب القائمة على إيراد الآثار والأقوال مقرونة بأسانيدها.

وربما اعْتُرِض على النماذج المتقدمة من أقوال أبي الحسن؛ بأنها تعبر عن مرحلة مبكرة من فكره، بعد انتقاله مباشرة عن مذهب المعتزلة، ثم تجاوزها إلى المرحلة النهائية؛ والتي برزت في «اللمع» واستحسان الخوض في علم الكلام، وفيها خفَّت النزعة الأثرية، المستندة إلى النصوص، وظهرت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت